مرجعيون – روجيه نهرا
بالنسبة إلى أبناء منطقة مرجعيون، لا يشكّل اسم الفائز في الانتخابات الإسرائيلية أولوية بقدر ما يشكّل الأمن والاستقرار مطلبًا أساسيًا لا يقبل التأجيل. فسواء فاز بنيامين نتنياهو أو منافسه أيزنكوت، لا يتوقع الأهالي تغييرًا جوهريًا في السياسات الإسرائيلية تجاه الجنوب، ولا سيما في ما يتعلق بالوجود العسكري ومحاولات فرض السيطرة على المنطقة الحدودية وتوسيعها متى سمحت الظروف.
ما يعني أبناء المنطقة فعلًا هو استعادة حقهم في العيش بأمان وحرية وكرامة، بعيدًا من الحروب والتهديدات التي أثقلت حياتهم وألحقت أضرارًا جسيمة بأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وضربت مصادر رزقهم وأدخلت مستقبلهم في دائرة من الغموض والقلق.
ويتساءل كثيرون: ألم تكفِ ثلاث سنوات من الحروب، من عام 2023 حتى عام 2026، وما خلّفته من دمار ونزوح وخسائر، حتى يعود الحديث اليوم عن احتمال اندلاع مواجهة جديدة؟ فقد عاش أبناء البلدات الحدودية خلال هذه السنوات ظروفًا أمنية قاسية، وتحمّلوا أعباء معيشية واقتصادية تجاوزت قدرة كثيرين منهم على الاحتمال، في ظل حرب رأى عدد كبير من الأهالي أنهم دفعوا ثمنها من أمنهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم، فيما ارتبطت تداعياتها بصراعات إقليمية ومصالح تتجاوز حدود لبنان.
واليوم، مع تصاعد المخاوف من جولة جديدة من الحرب قد ينخرط فيها حزب الله في حال تعرّضت إيران لهجوم أميركي إسرائيلي مشترك، يعود القلق ليخيّم على المنطقة، وسط خشية من اتساع المواجهة وتداعياتها على القرى الحدودية، وما قد تحمله من مزيد من الدمار والتهجير وتوسّع نطاق السيطرة الإسرائيلية.
وخلال السنوات الماضية، استنزفت الحرب مدّخرات الأهالي وأموالهم، وألحقت أضرارًا بمنازلهم وأملاكهم ومصالحهم، وبدّدت سنوات من التعب والعمل. واضطر كثيرون إلى مغادرة بلداتهم والنزوح إلى مناطق أخرى أو إلى خارج البلاد، بعدما باتت حياتهم مهددة وتعذّر عليهم ممارسة أعمالهم بصورة طبيعية. كذلك، تعطّلت الدراسة في عدد من البلدات، وصعُب وصول الطلاب إلى مدارسهم بسبب المخاطر الأمنية، ما انعكس سلبًا على المسار التربوي ومستقبل جيل كامل.
هذه الخسائر لم تعد مجرد أرقام أو أضرار مادية، بل تحوّلت إلى معاناة يومية تعيشها العائلات التي باتت تخشى على ما تبقّى لها من استقرار، وعلى حق أبنائها في التعليم والعمل والحياة الطبيعية. ومن هنا، فإن الحديث عن حرب جديدة لا يُقابل لدى الأهالي إلا بمزيد من الخوف والرفض، بعدما دفعوا أثمانًا باهظة لا يريدون تكرارها.
وتختصر سيدة تجاوزت الثمانين من عمرها جانبًا من هذه المعاناة، حين قالت لنا: «لم يعد بإمكاننا تحمّل المزيد من الحروب، فقد أنهكتنا السنوات الماضية. لا أريد من هذه الدنيا سوى أن أرى أحفادي يكبرون ويصبحون رجالًا في أجواء من الأمان والاطمئنان والحرية».
وتتابع السيدة زهراء: " لقد عشنا حروبًا كثيرة ومتعددة، منها ما كان مبررًا، ومنها الكثير الذي لم نكن بحاجة إلى خوضه تحت أي ذريعة. اليوم طفح الكيل، ولم نعد نقبل أن تعبث الدول والأحزاب المرتبطة بالخارج بمصيرنا. نريد السلام، والسلام فقط، ونأمل من دولتنا أن تحقق لنا ما نريده لوطننا، وهو الازدهار والاطمئنان."
أما السيد جبر، فيقول خلال جولة لنا في منطقة مرجعيون إن المطلب الوحيد لأبناء المنطقة هو وقف الحرب وإنهاؤها نهائيًا، وتأمين عودة سكان القرى إلى بلداتهم ومنازلهم، واستعادة الحياة الطبيعية التي كانوا يعيشونها قبل الحرب. ويضيف أن الأهالي دفعوا أثمانًا باهظة من أموالهم وممتلكاتهم وأرزاقهم واستقرارهم، «ويكفيهم ما عانوه وما خسروه. فهم لا يريدون سوى السلام والاستقرار والراحة والأمان، بعيدًا من الحروب والتهديدات والتهجير».
ويشدد جبر على أن مسؤولية كبرى تقع على الدولة اللبنانية، التي يُفترض أن تسخّر كل إمكاناتها للحفاظ على أبنائها في القرى الحدودية والنائية، وتأمين مقومات صمودهم وبقائهم في أرضهم. فلولا صمود الأهالي وصبرهم وتمسّكهم بقراهم وأرضهم رغم المخاطر والخسائر، لكان واقع المنطقة مختلفًا، ولكانت قرى أخرى مهددة بمصير القرى التي احتُلّت أو أُخليت من سكانها.
في المحصّلة، لا ينتظر أبناء مرجعيون نتائج الانتخابات الإسرائيلية ليقرروا ما يريدونه، فهم يعرفون جيدًا أن مطلبهم يتجاوز أسماء المرشحين وحسابات السياسة. يريدون أن تنتهي الحرب، وأن يعود النازحون إلى بيوتهم، وأن تُفتح المدارس وتستعيد المؤسسات أعمالها، وأن تعود الأرض مصدر رزق بدل أن تكون مصدر خوف وقلق. كما يريدون دولة تحميهم وتتمسّك بأبنائها في المناطق الحدودية، فلا تتركهم وحدهم في مواجهة تداعيات الصراعات الإقليمية. فبعد سنوات من الخسائر والانتظار، لم يعد لدى هؤلاء ترف تحمّل حرب جديدة؛ كل ما يطلبونه هو أن يعيشوا بسلام وكرامة على أرضهم، وأن يكون مستقبل أبنائهم مرهونًا بأحلامهم وتطلعاتهم، لا بقرارات الحروب ومصالح الآخرين.