ديفيد لوتير

الولاء لترامب... سبب الشرخ في الحزب الجمهوري

26 شباط 2021

المصدر: Los Angeles Times

02 : 01

يعكس تصويت مجلس الشيوخ على قرار تبرئة الرئيس السابق دونالد ترامب خلال محاكمة عزله الثانية حجم التصدّع داخل حزبه: رغم تمسّك معظم الجمهوريين بولائهم له، أوضحت أقلية بارزة رغبتها في التخلص منه!

صوّت سِبْع التكتل السياسي الجمهوري ضد ترامب، وتساوي هذه النسبة أقل من نصف العدد المطلوب لإدانته، لكن انشقّ عدد متزايد من المسؤولين عن توجهات حزب الرئيس مقارنةً بأي محاكمة عزل سابقة. حتى أن بعض من صوّت لصالح ترامب، بما في ذلك رئيس كتلة الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل عن ولاية كنتاكي، انتقده بأقسى العبارات.

في المقابل، تحرك الناشطون الجمهوريون بعد ساعات على انتهاء التصويت استنكاراً لموقف أعضاء مجلس الشيوخ الذين صوّتوا ضد ترامب.

برأي مايكل واتلي، رئيس الحزب الجمهوري في ولاية كارولاينا الشمالية، كان تصويت ريتشارد بور لإدانة ترامب موقفاً "صادماً ومخيباً للآمال". كذلك، وجّه الجمهوريون في لويزيانا اللوم للسيناتور بيل كاسيدي بسبب موقفه.

شكّلت هذه المشادات الكلامية أحدث فصل من حربٍ ستتابع على الأرجح تقسيم الجمهوريين طوال أشهر، أو حتى سنوات، إذ سيحاول الحزب الذي يُعَرّف عن نفسه بناءً على حجم ولائه لرجل واحد أن يُحدد هويته بعد رحيل ترامب من السلطة.

يتّضح النفور الذي يحمله جزء من هذا الحزب المنقسم تجاه ترامب في الخطاب الذي ألقاه ماكونيل بعد صدور النتيجة.

أيّد هذا الزعيم الجمهوري جميع الحجج التي قدّمها مجلس النواب الأميركي لتبرير محاكمة الرئيس السابق، مع أنه أراد أن يضمن تبرئته في الوقت نفسه عبر عدم السماح لمجلس الشيوخ بمحاكمة ترامب قبل انتهاء عهده، فقال إن ترامب مذنب بسبب "تقصيره المشين في أداء واجبه" كونه حرّض على الشغب ضد مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني وفشل في وقف أعمال العنف بعد اندلاعها.

أضاف ماكونيل: "لا يوجد أدنى شك بمسؤولية الرئيس ترامب، عملياً وأخلاقياً، عن افتعال أحداث ذلك اليوم".





عبّر آخرون عن مواقف مشابهة لماكونيل. فقالت السيناتورة شيلي مور كابيتو (جمهورية عن ولاية فرجينيا الغربية) إنها صوتت لصالح قرار تبرئة ترامب لسبب إجرائي، إذ لا يسمح الدستور لمجلس الشيوخ بمحاكمة مسؤول لم يعد جزءاً من السلطة. لكنها اعتبرت تصرفات الرئيس السابق "مشينة" في بيان لها بعد انتهاء التصويت.

استـــــــــــهزأ الديمقراطيـــــون من جهتهم بهذه المواقف لأنها لم تتبلور بطريقة عملية عبر أصوات الجمهوريين. اعتبرت رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، الجمهوريين الذين صوتوا لتبرئة ترامب "جبناء". لكن حتى مهاجمة ترامب شفهياً تطرح مخاطر كبرى على الجمهوريين.

ربما خسر ترامب جزءاً من شعبيته في أوساط حزبه، لكنه يحظى حتى الآن بتأييد أغلبية واسعة منهم. يحمل حوالى 8 أشخاص راشدين من كل عشرة جمهوريين نظرة إيجابية إلى ترامب، وفق استطلاع جديد أجراه "المعهد الأميركي لأبحاث السياسة العامة".

لا يعني ذلك أن جميع هؤلاء الأشخاص هم من أشدّ المعجبين بترامب، لكن تنطبق هذه الصفة على مجموعة كبيرة منهم: عبّر أكثر من ثلث المشاركين بقليل عن نظرتهم "الإيجابية جداً" تجاه ترامب، واعتبر 37% منهم أن ولاءهم يبقى لترامب أولاً، لا للحزب الجمهوري.

ربما تراجع الحزب الجمهوري قليلاً في الأشهر الأخيرة، لكن يسهل أن تتضخم هذه النزعة. في ولايات عدة مثلاً، تفيد التقارير بأن عشرات آلاف الناس سحبوا تسجيلهم من هذا الحزب منذ الانتخابات الأخيرة. لكن تبقى هذه النسبة ضئيلة مقارنةً بالأصوات التي حصدها ترامب في تشرين الثاني الماضي وبلغت 74 مليون صوت.

تكشف أحدث إحصاءات مؤسسة "غالوب" التي تتعقب الانتماءات الحزبية منذ عقود أن 24% من الأميركيين يصنّفون أنفسهم كجمهوريين (تعتبر مجموعة كبيرة أخرى نفسها مستقلة لكنها تُصوّت دوماً لصالح الحزب الجمهوري)، ويحمل 37% منهم نظرة إيجابية إلى هذا الحزب. في الحالتَين معاً، يمكن رصد تراجع بمعدل سبع نقاط منذ الفترة التي سبقت الانتخابات، ما يجعل الديمقراطيين يتفوقون نسبياً على الجمهوريين. مع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه الأرقام الأسوأ على الإطلاق.

لا شك في أن الأشهر المضطربة الأخيرة من عهد ترامب انعكست سلباً على الحزب الجمهوري عموماً، لكن يستطيع المسؤولون الجمهوريون المُنتخَبون أن يتطلعوا إلى تعافي حزبهم كما حصل بعد المرحلة العصيبة التي مرّ بها في العام 2009. يظن عدد كبير منهم أن هذا التعافي يتوقف على التمسك بالناخبين الذين يعبّرون عن ولائهم لترامب.

لكن رغم عدم دفاع أي شخصيات جمهورية وطنية عن حركة التمرد العنيفة ضد مبنى الكابيتول، يميل جزء كبير من الناخبين الجمهوريين إلى لعب دور الضحية لدرجة أن يصبح العنف السياسي مقبولاً في بعض الحالات.

على صعيد آخر، يكشف استطلاع "المعهد الأميركي لأبحاث السياسة العامة" أن ثمانية جمهوريين تقريباً من أصل عشرة يظنون أن النظام السياسي مُصمّم ضد حاملي القيم التقليدية، وقد اعترف 55% منهم بأنهم يوافقون على الفكرة القائلة إن "أسلوب الحياة الأميركي التقليدي بدأ يتلاشى بسرعة فائقة لدرجة أن نضطر لاستعمال القوة لإنقاذه".

كذلك، يظن ثلثا الجمهوريين تقريباً أن انتخابات العام 2020 ترافقت مع "تزوير واسع النطاق"، وقد اعتبر 37% منهم هذا الموقف "دقيقاً لأعلى درجة".

في المقابل، عبّرت أغلبية كبيرة من الجمهوريين (39%) عن قناعة مفادها أن "الشعب يجب أن يحمي الولايات المتحدة بنفسه إذا عجز القادة المُنتخَبون عن فعل ذلك، حتى لو تطلّب الأمر اتخاذ خطوات عنيفة". بلغت نسبة مؤيدي هذه الفكرة 17% في أوساط الديمقراطيين و31% في أوساط المستقلين.

في غضون ذلك، اعترف جمهوري واحد من كل ثمانية بأنه يوافق "بالكامل" على احتمال اللجوء إلى العنف إذا عجز المسؤولون المُنتخبون عن حماية البلد.

إنها فكرة شائعة وسط المجموعة التي أصبحت ركيزة الائتلاف الجمهوري الحالي، أي المسيحيين الإنجيليين البيض. في هذه المجموعة، يعبّر 41% من الناس عن قناعتهم التامة أو الجزئية بأن العنف قد يصبح ضرورياً.

لا يعني أيٌّ من هذه النتائج أن مجموعة هائلة من الناخبين الجمهوريين باتت مستعدة لاقتحام مبنى الكابيتول، لأن التعبير عن التعاطف مع فكرة معينة في استطلاعات الرأي لا يُحتّم التحرك على أرض الواقع.





لكن تؤكد هذه النتائج في المقابل أن التطرف الذي دفع جزءاً كبيراً من أعضاء الحزب الجمهوري إلى معسكر اليمين في آخر 12 سنة يشكّل ظاهرة تصاعدية.

انتخب الجمهوريون المسؤولين، على رأسهم ترامب، ونشرت وسائل الإعلام اليمينية نظريات المؤامرة وساهم بعضها في تصوير العنف كظاهرة طبيعية، لكن حصلت تلك التطورات كلها بسبب شيوع هذه الأفكار: لم يبتكر ترامب مجموعة القناعات والمواقف التي يُشار إليها اليوم باسم "الترامبية"، لكنه أدرك شيوعها في أوساط الناخبين الجمهوريين وحرص على الاستفـادة من الوضع.

تكمن مشكلة الجمهوريين المتواصلة في قدرة تلك المواقف نفسها على إبعاد قاعدة الناخبين التي يحتاجون إلى دعمها، لا سيما في الولايات المتأرجحة ومقاطعات الكونغرس التنافسية. كانت خسارة مقعدَين في مجلس الشيوخ خلال الجولة الثانية من الانتخابات في ولاية جورجيا، في وقتٍ سابق من الشهر الماضي، كفيلة بمنح ماكونيل دوراً جديداً كزعيم للأقلية. إنها نتيجة جزئية لانقلاب الناخبين المعتدلين سياسياً ضد الحزب الجمهوري في ضواحي الولاية.

على غرار ما تفعله الشخصيات السياسية في معظم الأوقات، يريد الجمهوريون في مجلس الشيوخ أن يتجنبوا المخاطر السياسية. لكن كشفت محاكمة عزل ترامب إلى أي حد أصبحت تلك المخاطر حتمية في حالتهم، بغض النظر عن الوجهة التي يتخذونها في المرحلة المقبلة.

حاول المشرفون على محاكمة العزل في مجلس النواب تبرير ما يفعلونه في الأيام الأخيرة عبر تسليط الضوء على مخاطر عدم التحرك، وهذا ما فعله رئيس فريق الادعاء جيمي راسكين (ديمقراطي عن ولاية ماريلاند) يوم الخميس الماضي.

سأل راسكين: "هل يظن أي زعيم سياسي في هذه القاعة أن دونالد ترامب سيوقف التحريض على العنف لتحقيق أهدافه الخاصة إذا سمح له مجلس الشيوخ بالعودة إلى المكتب البيضوي يوماً؟ هل تريدون المجازفة بحياة عدد إضافي من ضباط الشرطة لاكتشاف الجواب؟ هل تريدون المجازفة بسلامة عائلاتكم؟ هل تريدون المجازفة بمستقبل ديموقراطيتكم"؟

لم يشأ معظم أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين أن يضعوا أنفسهم في مواجهة الناخبين الداعمين لترامب، لذا أثبتوا من خلال تصويتهم أنهم مستعدون لأخذ المجازفة التي تكلم عنها راسكين. لكنّ النتيجة التي حققوها في نهاية المطاف لم تُقرّبهم من تجاوز الانقسام الذي يطرح تهديداً مستمراً على حزبهم اليوم.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.