نداء من جبل عامل: إنقاذ الجنوب بحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة

5 دقائق للقراءة

وجّه عدد من أبناء جبل عامل وجنوب لبنان نداءً إلى الرؤساء الثلاثة واللبنانيّين، حذّروا فيه من خطر وجوديّ يتهدّد الجنوب، جغرافيًّا وديمغرافيًّا، في ظلّ استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة واحتمالات توسّع المواجهة الإقليميّة. وحمل النداء، الذي صدر بعنوان "الجنوب ليس جغرافيا للآخرين"، مطالبةً مزدوجة، للدولة بتصعيد تحرّكها السياسيّ والدبلوماسيّ لمنع تجدّد العدوان، وللقوى التي تتولّى تمثيل الطائفة الشيعيّة باتّخاذ موقف علنيّ يحول دون إقحام الجنوب في حرب جديدة. وشدّد الموقّعون على ضرورة إنهاء ازدواجيّة القرار العسكريّ، وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، محذّرين من تحوّل النزوح المؤقّت إلى اقتلاع دائم للسكان.

اعتبر الموقّعون أنّ جبل عامل، بوصفه جزءًا أصيلًا من الجنوب وشريكًا تاريخيًّا في تكوين لبنان الكبير وحماية استقلاله، دفع أثمانًا باهظة نتيجة تحوّله إلى ساحة للصراعات الإقليميّة، وآخرها تداعيات معادلة "وحدة الساحات" التي ربطت مصيره بمشاريع تتجاوز حدوده ومصالح أبنائه.

وحذّر النداء من أنّ الجنوب يواجه اليوم خطرًا وجوديًّا يهدّد أرضه وتركيبته السكانيّة، وينذر بما وصفه بـ"نكبة اقتلاع" لأهالي جبل عامل، على غرار النكبة الفلسطينيّة، في ظلّ تصاعد الاعتداءات الإسرائيليّة.

وربط الموقّعون هذه المخاوف باستعادة المرشد الإيرانيّ، في تصريحاته الأخيرة، خطاب "وحدة الساحات"، معلنين رفضهم تحويل جنوب لبنان إلى "احتياط جغرافيّ لإخفاقات إيران في الميدان"، أو الزجّ بأبنائه مجدّدًا في حرب لا يملكون قرارها.

وأشاروا إلى أنّ الجنوبيّين يعيشون حالة متصاعدة من القلق، بعدما بات احتمال النزوح مجدّدًا يتقدّم على مساعي العودة إلى القرى والبلدات المدمّرة. وحذّروا من أن يتحوّل النزوح المؤقّت هذه المرّة إلى لجوء دائم، بما يحمله ذلك من تداعيات على الوجود السكانيّ ومستقبل المنطقة.

ووجّه النداء دعوة مباشرة إلى الرؤساء الثلاثة لتحمّل مسؤوليّاتهم الدستوريّة، وتصعيد التحرّك السياسيّ والدبلوماسيّ للجم الاعتداءات الإسرائيليّة ومنع توسيع نطاق الاحتلال.

وطالب الموقّعون بتكثيف الضغوط على المجتمع الدوليّ والدول الصديقة للبنان، لضمان عدم استئناف العدوان، حتّى في حال تجدّدت الحرب الإقليميّة، ومنع استخدام الأراضي اللبنانيّة مجدّدًا لتصفية حسابات المنطقة.

وفي هذا السياق، تمسّك أصحاب النداء بمعادلة "شعب، دولة، سيادة"، معتبرين أنّ الشرعيّة الدوليّة للبنان، ومكانته العربيّة، وموقعه الجغرافيّ وشبكة علاقاته الخارجيّة، تشكّل عناصر قوّة يمكن توظيفها لفرض الانسحاب الإسرائيليّ الكامل ووقف الاعتداءات.

ويضع هذا الموقف مسؤوليّة حماية الجنوب في صلب اختصاص الدولة ومؤسّساتها الدستوريّة، من خلال الجمع بين التحرّك الدبلوماسيّ واستعادة القرار السياديّ، بعيدًا من ربط مصير المنطقة بحسابات المحاور الإقليميّة.

وخصّص النداء جانبًا أساسيًّا من مضمونه لمخاطبة الشخصيّات والقوى التي تتصدّى لتمثيل الطائفة الشيعيّة، وتتولّى مواقع دستوريّة وتشريعيّة وتنفيذيّة وروحيّة في الدولة اللبنانيّة.

ودعا هؤلاء إلى تحويل ما يُنقل عنهم من تمايز عن مواقف "حزب الله" إلى موقف سياسيّ علنيّ وصريح، يتناسب مع خطورة المرحلة التي يمرّ بها الجنوب وجبل عامل.

واعتبر الموقّعون أنّ التمايز السياسيّ الذي يبقى في حدود "التسريبات والهمس السياسيّ" يفقد جدواه ما لم يُترجم بمبادرة واضحة تحول دون تعريض الجنوب لحرب جديدة.

وشدّدوا على أنّ مسؤوليّة حماية الأهالي تقتضي إظهار شجاعة سياسيّة، حتّى لو انعكس ذلك على العلاقة مع الشريك التاريخيّ في الثنائيّ الشيعيّ، معتبرين أنّ اعتبارات الشراكة السياسيّة يجب ألّا تتقدّم على مسؤوليّة حماية الناس.

وفي هذا الإطار، طالب النداء بالانتقال من التمايز المتداول في المجالس إلى مبادرة سياسيّة علنيّة، تنهي ازدواجيّة القرار والخطاب، وتمنع إقحام لبنان في مواجهة إقليميّة جديدة، وتسحب من إسرائيل ذرائع استئناف عدوانها، وفق تعبير الموقّعين.

وحدّد الموقّعون ثلاثة مطالب أساسيّة، تبدأ بتحقيق انسحاب إسرائيليّ كامل وغير مشروط من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة، ووقف الاعتداءات بصورة نهائيّة.

كما طالبوا بإنهاء مظاهر السلاح غير الشرعيّ، وانتشار الجيش اللبنانيّ، وحصر قرار الحرب والسلم بيد مؤسّسات الدولة، بما يضع حدًّا لازدواجيّة السلطة والقرار العسكريّ.

أمّا المطلب الثالث، فيتمثّل في إطلاق خطّة وطنيّة لإعادة الإعمار، تضمن عودة المهجّرين إلى قراهم وبلداتهم، وتؤمّن مقوّمات بقائهم في أرضهم.

وربط النداء بين هذه المطالب باعتبارها عناصر متكاملة لحماية الجنوب، إذ إنّ وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيليّ، وفق الموقّعين، ينبغي أن يترافقا مع استعادة الدولة سلطتها الحصريّة، وإعادة إعمار المناطق المتضرّرة.

واختتم الموقّعون نداءهم بالتشديد على أنّ إنقاذ جبل عامل والجنوب يتطلّب قرارًا سياسيًّا واضحًا، يتجاوز الشعارات وتبادل المسؤوليّات، وينهي ازدواجيّة الموقف والقرار.

وأعلنوا رفضهم تحويل بيوتهم وحقولهم وجبالهم وأنهارهم إلى مساحات لتقاسم النفوذ، أو أوراق تفاوض في الصراعات الإقليميّة، محذّرين من استمرار دفع الجنوبيّين أثمان مشاريع لا يملكون قرار المشاركة فيها.

ولخّص أصحاب النداء مطالبهم بالقول: "نريد دولة تحمينا، وقيادة تفاوض باسمنا، وقرارًا وطنيًّا يصون سيادتنا وكرامتنا".