لم يعد مستغربًا أن يلجأ حزب الله ، كلما سعى جهازٌ من أجهزة الدولة لتطبيق القوانين اللبنانية على أفراده الذين اعتادوا التصرف وكأنهم فوق القانون والمساءلة، إلى ابتكار مفهومٍ هجينٍ جديد لتبرير اعتراضه. فبعد «الميثاقية السياسية» التي تحولت في محطاتٍ عدة إلى حقّ تعطيل القرارات الحكومية وشلّ السلطة في لبنان، وفرض معادلاتٍ تُخضع الدولة لموازين القوة العسكرية للحزب كما حصل بعد عام 2008، نصل اليوم، بعد حروب الإسناد الفاشلة، إلى صيغةٍ مستجدة تحمل عنوان: «العدالة الميثاقية».
فقد اعتبر النائب حسين الحاج حسن أن الادعاء الصادر عن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بحق عناصر من حزب الله، ضُبطوا بالجرم المشهود ينقلون متفجرات في ضهر البيدر، يفتقر إلى أبسط قواعد الميثاق الوطني، وشرعة حقوق الإنسان، وميثاق الأمم المتحدة، زاعماً أن هؤلاء كانوا يؤدون «واجبًا وطنيًا» دفاعًا عن لبنان، وأنهم يستحقون التكريم لا المحاكمة.
ولكن، ما المقصود حقًا بـ«الميثاقية» في هذا السياق؟ وهل تحولت العدالة إلى سلعة تخضع لمعادلات الزبائنية وميزان القوة الحزبية؟ وهل بات عناصر الحزب يتمتعون بحصانة استثنائية تعفيهم من المحاسبة وتضعهم فوق القوانين اللبنانية؟ أم أن حزب الله يريد ترسيخ معادلة «أولاد الست وأولاد الجارية» التي مفادها أن القانون يسري على الجميع باستثناء من ينضوون تحت رايته؟ ومتى أصبحت الميثاقية امتيازًا يعطل القضاء ويمنح فريقًا من اللبنانيين حق مخالفة القوانين بلا رادع؟
إن الميثاق الوطني هو الركيزة الناظمة للشراكة بين اللبنانيين، والضمانة لحماية التوازن الوطني ومنع استئثار أي مكون بالسلطة؛ لكنه لم يكن يومًا تفويضًا مفتوحًا لأي حزب أو طائفة لتعطيل العدالة، أو تفصيل استثناءات قانونية لمصلحة أتباعها، أو تقويض هيبة الدولة. فالعدالة لا تقبل التجزئة، ولا تخضع للمحاصصة السياسية والطائفية، ولا تتبدّل معاييرها تبعًا لهوية المتهم أو انتمائه الحزبي. والقانون إما أن يكون واحدًا على جميع المواطنين، أو يفقد معناه وتتحوّل الدولة إلى مزرعة للامتيازات والحصانات المتبادلة.
وإذا كان سعادة النائب قد ابتدع اليوم «العدالة الميثاقية»، فهل سنشهد غدًا «حقيقة ميثاقية»، وقوانين ميثاقية، ومحاسبة ميثاقية؟ وهل يصبح تطبيق القانون مشروعًا حين يطال عامة اللبنانيين، ومخالفًا للميثاق حين يمس المحسوبين على حزب الله؟
إن تحويل الميثاقية إلى شماعة لتكريس الاستثناءات لا يعني سوى تكريس منطق «الدويلات»، حيث يصبح لكل فريق قانونه، وقراءته الخاصة للسيادة، وميزانه المعوج للعدالة.