صناديق أميركا ترسم ما تبقّى لترامب

4 دقائق للقراءة
ناخبون في ولاية آيوا يصطفّون في طابور داخل أحد مراكز الاقتراع أمس (أ ف ب)

في إحدى ضواحي أتلانتا، يشرح مدير مشاريع لماذا منح معظم أصواته لمرشّحين ديموقراطيين. تحدّث عن كلفة المعيشة وسعر الوقود، وختم بعبارة "أنا شخص عادي". أمّا مجنّدة سابقة في الجيش الأميركي فتجزم من ولاية تكساس بأنّ الجمهوريين سيفوزون، رغم أنّ استطلاعات الرأي ترجّح كفّة الديموقراطيين لانتزاع الغالبية في مجلس النوّاب، بينما تظلّ السيطرة على مجلس الشيوخ غير محسومة. وفي صباح الاقتراع نفسه، اختار الرئيس ترامب أن يخاطب الأميركيين متحدّثًا عن المليارات التي تدفعها بلادهم لإسرائيل. بين ما يشغل الناخب عند محطّة الوقود وما اختار الرئيس أن يقوله على الهواء، تدور معركة منتصف الولاية. ويبقى السؤال مفتوحًا عمّن سيملك الغالبية في واشنطن، وعمّا ستُتيح له تلك الغالبية أن يفعل.

دخل الجمهوريون الانتخابات وفي أيديهم حجّة اقتصادية جدّية. فقد نما الاقتصاد الأميركي في الربع الثالث من 2026 بمعدّل سنوي بلغ 3.4 في المئة، مدفوعًا بارتفاع الاستثمار، خصوصًا في الذكاء الفائق، وإنفاق المستهلكين والإنفاق الحكومي. غير أنّ الأسرة التي تشتري حاجاتها بالدَّين أو تقطع مسافة طويلة إلى العمل تقيس الازدهار بما يبقى من راتبها آخر الشهر. وقد جعلت حرب إيران والرسوم الجمركية كلفة السياسة الخارجية بندًا أساسيًّا في النقاش العام. هنا تحديدًا وجد الديموقراطيون مدخلهم إلى ناخبين صوّتوا لترامب قبل عامين ويطالبونهم بمحاسبته اليوم على وعده بخفض الأسعار.

ومن هذه الزاوية، تستحقّ رسالة ترامب بشأن إسرائيل قراءة أبعد من توقيتها الانتخابي. قال ترامب إنّه اتّفق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على وقف التمويل الأميركي السنوي لإسرائيل بنهاية العام، مع استمرار بيعها السلاح واستعداد واشنطن لمساعدتها عند الحاجة، علمًا بأنّ مذكّرة التفاهم التي تنصّ على مساعدات سنوية بقيمة 3.8 مليارات دولار تمتدّ حتى أيلول 2028. أمّا المقصد السياسي فأفصح عنه ترامب حين سمّى عبدول السيّد، المرشّح الديموقراطي لمجلس الشيوخ في ميشيغن والمنتقد للمساعدات غير المشروطة. أراد الرئيس أن يسحب من خصومه قضيّة انتخابية، وأن يقول لناخبه المحافظ إنّ الالتزام بأمن حليف يقتضي أيضًا مطالبته بتحمّل كلفة تسليحه.

وفي اليوم الانتخابي، جرى الإبلاغ عن مشكلات في أجهزة التصويت في مناطق متفرّقة من البلاد، بما في ذلك مقاطعات في ولايات جورجيا، وأيوا، ونيويورك، ونورث كارولاينا، وأوكلاهوما، وويسكونسن، ممّا قد يتسبّب في تأخيرات محلّية في التصويت وفرز الأصوات. والأعطال المنفصلة في أجهزة التصويت أمر مألوف في الانتخابات الأميركية، لكنّ خبراء الانتخابات يؤكّدون أنّ الأنظمة الاحتياطية وغيرها من الضمانات تجعل من النادر أن تؤثّر هذه الأعطال على النتائج.

وتجرى الانتخابات على كلّ مقاعد مجلس النوّاب، وعددها 435، إلى جانب 35 مقعدًا من أصل 100 في مجلس الشيوخ، لكنّ غالبية السباقات لا تعتبر متقاربة. ولاستعادة الغالبية في مجلسَي النوّاب والشيوخ، يحتاج الديموقراطيون إلى تحقيق مكسب صافٍ قدره ثلاثة مقاعد في مجلس النوّاب وأربعة مقاعد في مجلس الشيوخ.

في "اليوم التالي"، سيُحدّد المجلس الذي قد يفوز به الديموقراطيون قدرتهم على ترجمة الغضب المعيشي إلى نفوذ. انتزاع مجلس النوّاب يضع التشريعات الضريبية الجديدة التي يريدها الجمهوريون تحت رحمتهم، ويمنحهم رئاسة اللجان وسلطة استدعاء مسؤولي الإدارة إلى جلسات علنية. وإذا أضافوا إليه مجلس الشيوخ، أمكنهم ردّ مرشّحي ترامب للمناصب العليا وللقضاء الفدرالي. لكنّ تمرير برنامجهم سيظلّ أصعب كثيرًا من تعطيل برنامجه. فالرئيس يملك ردّ مشاريع القوانين، وتجاوز الفيتو يتطلّب ثلثي الأصوات في كلّ من المجلسين. وبوسع ترامب أن يساوم على توقيعه، خصوصًا حين يُسأل خصومه عمّا أنجزوه لخفض الأسعار.

وتبقى لترامب في الخارج مساحة أوسع للمبادرة. يستطيع أن يفاوض طهران، ويحدّد ما يعرضه على الحلفاء، ويضع خصومه أمام خيار تأييد تفاهم أبرمه أو تحمّل كلفة الاعتراض عليه. للكونغرس سلطة التمويل، وللشيوخ كلمة في المعاهدات، أمّا توقيت المبادرة الدبلوماسية وصياغة شروطها الأولى ففي يد الرئيس. وقدّم صباح الاقتراع مثالًا على ذلك حين جعل مستقبل المساعدات لإسرائيل موضوع النقاش في واشنطن قبل أن يُفرز صوت واحد.

إذا احتفظ الجمهوريون بالغالبية، كسب ترامب وقتًا ثمينًا لاستكمال برنامجه. وإذا انتزع الديموقراطيون المجلسين أو أحدهما، بدأ الاختبار الأصعب للطرفين. سيكون عليهم أن يقدّموا لناخب أتلانتا نتيجة يلمسها عند محطّة الوقود، وسيكون على ترامب أن يقرّر أيّ تسوية تستحقّ توقيعه من دون إغضاب ناخبة تكساس. وبين الوعد الديموقراطي بخفض الكلفة والتوقيع الجمهوري اللازم لإنفاذه، تبدأ من الآن معركة السنتين الأخيرتين من عهده.