الدكتور سايد حرقص

الحرب الأميركية على إيران: بين مأزق الاستنزاف وإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط

5 دقائق للقراءة

تحوّلت الحرب الأميركية على إيران إلى صراع استراتيجي مفتوح يهدد أمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة، ويضع التوازنات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة.

في الثالث من تشرين الثاني، اختُتمت انتخابات التجديد النصفي الأميركية وسط مفارقة لافتة. فبينما انشغلت الحملات الانتخابية الأميركية بقضايا التضخم وأسعار الوقود وتكاليف المعيشة، بقيت الحرب في الشرق الأوسط بعيدة عن صدارة اهتمامات الناخب الأميركي. فهل يؤدي انتهاء الاستحقاق الانتخابي إلى تحرير إدارة دونالد ترامب من القيود السياسية الداخلية، ويفتح أمامها المجال لاتخاذ قرارات عسكرية كانت مؤجلة بفعل الحسابات الانتخابية؟

تكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة بعد ما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال» في 28 تشرين الأول عن إبلاغ واشنطن عدداً من الدول الخليجية بضرورة الاستعداد لاحتمال شن حملة عسكرية قصيرة ومكثفة ضد إيران بعد الانتخابات. وهذه الرسائل، وإن لم تشكل دليلاً قاطعاً على اتخاذ قرار نهائي بالحرب، تعكس جدية الاستعدادات الأميركية، ولا سيما في ظل تعزيز الوجود البحري والجوي ومنظومات الدفاع الصاروخي في المنطقة.

فالحشد العسكري الأميركي، الذي وصل إلى ثلاث مجموعات قتالية لحاملات الطائرات، إلى جانب قوات إنزال برمائية وسفن حربية إضافية، لا يهدف فقط إلى توفير القدرة على تنفيذ ضربات واسعة، بل يحمل رسالة سياسية واضحة إلى طهران: واشنطن مستعدة لاستخدام القوة إذا فشلت الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية في انتزاع اتفاق بالشروط الأميركية.

غير أن السؤال الحقيقي يكمن في قدرة الولايات المتحدة على ضمان تحقيق نتائج سياسية مستدامة من هذه الحرب. فاستهداف المنشآت النووية والصاروخية ومراكز إنتاج الطائرات المسيّرة قد يُلحق بإيران أضراراً جسيمة، لكنه لا يعني بالضرورة إجبارها على التخلي عن برنامجها النووي أو التنازل عن نفوذها الإقليمي.

في المقابل، لا تراهن إيران على مواجهة الولايات المتحدة وفق قواعد الحرب التقليدية، بل تعتمد استراتيجية الاستنزاف، مستفيدةً من اتساع جغرافيتها، وقدراتها الصاروخية، وطائراتها المسيّرة، وشبكة أذرعها في المنطقة، الممتدة من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن، مروراً بالميليشيات المسلحة في العراق. وهي تدرك أن رفع كلفة الحرب، وتوسيع دائرة المخاطر، وحرمان واشنطن من إعلان انتصار سياسي واضح، قد يكون كافياً لتحقيق هدفها.

وهنا تكمن معضلة الاستراتيجية الأميركية: تستطيع واشنطن تدمير جزء كبير من القدرات الإيرانية، لكنها لا تستطيع ضمان أن يتحول هذا التدمير إلى انهيار سياسي أو استسلام استراتيجي. فالحروب لا تُقاس فقط بحجم الأهداف المدمرة، بل بالنتائج السياسية التي تتحقق بعد توقف العمليات العسكرية.

ويظل مضيق هرمز الورقة الأكثر حساسية في هذه المواجهة. فهذا الممر البحري كان يشكل قبل الحرب شرياناً أساسياً يمر عبره قسم من الاستهلاك العالمي للنفط، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. وقد أدى إغلاقه عملياً، بالتزامن مع الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية، إلى اضطراب إمدادات الطاقة، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتهديد استقرار الأسواق العالمية.

وبذلك تحوّل المضيق إلى سلاح اقتصادي متبادل: تستخدمه إيران لرفع كلفة الحرب على خصومها والاقتصاد العالمي، فيما تستخدم واشنطن الحصار البحري لخنق الصادرات الإيرانية وتقليص موارد الدولة. لكن هذه المعادلة لا تقتصر نتائجها على الطرفين، بل تضع دول الخليج وأوروبا وآسيا أمام تداعيات اقتصادية وأمنية متزايدة، وتجعل استقرار المنطقة رهينة استمرار المواجهة.

أما دول الخليج، فتجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد. فهي ترتبط بتحالفات أمنية وعسكرية مع الولايات المتحدة، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن قواعدها ومنشآتها النفطية ومطاراتها وموانئها قد تتحول إلى أهداف مباشرة في حال تجدد الحرب. ولذلك، فإن الاستعدادات الدفاعية لا تعني بالضرورة رغبة هذه الدول في توسيع المواجهة، بل تعكس خشيتها من دفع ثمن حرب قد لا تكون صاحبة القرار في إشعالها أو إنهائها.

وعلى المستوى الدولي، لا يمكن فصل هذه الحرب عن التنافس على النفوذ وممرات الطاقة والتوازنات الجيوسياسية. فالصين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة من الخليج، تراقب انعكاسات الحرب على أمن إمداداتها ومصالحها الاقتصادية، فيما تتابع روسيا تطورات المواجهة في ضوء علاقاتها مع طهران ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة. لكن مواقف هاتين الدولتين لا تعني بالضرورة استعدادهما للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن.

إن الحشد العسكري الأميركي قد يكون مقدمة لجولة جديدة من الضربات، لكنه قد يكون أيضاً أداة ضغط لانتزاع تنازلات إيرانية على طاولة المفاوضات. وبين الخيارين، تبقى المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، خصوصاً أن أي تصعيد واسع قد يتجاوز حدود المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، ويجرّ دول الخليج إلى حرب إقليمية يصعب احتواء تداعياتها.