الياس دمّر

الحب ليس للضعفاء

رومانسية "Sense & Sensibility" تربك مشاعرنا مجددًا

4 دقائق للقراءة

في اقتباس سينمائي جديد لرواية جاين أوستن، تعيد المخرجة البريطانية جورجيا أوكلي اكتشاف عالم الشقيقتين داشوود، مقدّمة حكاية حبّ تتجاوز الرومانسية التقليدية لتحتفي بالروابط الإنسانية وبالتمرّد العاطفي في مواجهة الأعراف الاجتماعية.

ليس من السهل الاقتراب سينمائيًا من عالم أوستن من دون الوقوع في فخ المقارنة مع النسخة الكلاسيكية التي قدّمها المخرج التايواني أنغ لي عام 1995. إلّا أن أوكلي تخوض هذه المغامرة في فيلمها الجديد "Sense & Sensibility"، برؤية لا تسعى إلى استنساخ الماضي بقدر ما تحاول استعادة نبضه الإنساني بلغة سينمائية أكثر حميمية وتحرّرًا. إنها مقاربة تنقل الحكاية من أناقة الدراما التاريخية التقليدية إلى معالم المشاعر الخام، حيث يصبح الحب اختبارًا للكرامة والاختيار والهوية.


المشاعر امتحان للحياة

تتمحور الحكاية حول الشقيقتين "إلينور" (تؤدّي دورها Daisy Edgar-Jones) و "ماريان" (تؤدّي دورها Esmé Creed-Miles)، اللتين تواجهان، إثر وفاة والدهما، انهيار الاستقرار المادي وفقدان منزل العائلة. فتجدان نفسَيهما أمام مجتمع لا يمنح المرأة استقلالا اقتصاديًا حقيقيًا، ويضع الزواج في مرتبة المصير الاجتماعي شبه المحتوم. من هنا تتشكّل الثنائية الجوهرية للعمل: "إلينور" تمثّل العقل وضبط الانفعالات، فيما تجسّد "ماريان" الاندفاع والاحتفاء بالعاطفة. غير أن براعة الفيلم تكمن في عدم تحويل هذه الثنائية إلى تناقض جامد، بل إلى حوار نفسي متواصل بين الشخصيتين. وبذلك تكتشف كل واحدة منهما أن النجاة لا تتحقّق بالتخلّي عن طبيعتها، وإنما بفهم طبيعة الأخرى.

إخراجيًا، تختار أوكلي الابتعاد عن الترف البصري المصقول الذي ميّز بعض الاقتباسات الكلاسيكية لأوستن، مستبدلة إيّاه بجماليات أكثر عضوية وواقعية. وتتحوّل الطبيعة الإنكليزية، بتلالها وغاباتها وسواحلها، إلى امتداد بصري للحالة النفسية للشخصيات، حيث تبرز أهمية التصوير السينمائي الذي أنجزه أرنو بوتييه. فالإضاءة الطبيعية، واللقطات الواسعة، وحركة الكاميرا المتناغمة مع حركة الأجساد، تمنح الصورة ملمسًا حسيًا يكاد يجعل المشاهد يتنفّس هواء الأمكنة ويشارك الشخصيات اضطرابها الداخلي. كما تكتسب الأزياء ذات الألوان الترابية والتفاصيل غير المتكلّفة وظيفة درامية، إذ تنزع عن الشخصيات مظهر اللوحات التاريخية الجامدة وتعيد إليها إنسانيتها اليومية.

أما على مستوى الأداء، فتقدّم ديزي إدغار-جونز شخصية "إلينور" باقتصاد تعبيري لافت. معها تصبح النظرة العابرة أو ارتجافة الوجه أو الصمت الطويل أداة سردية تكشف ما تعجز الشخصية عن التصريح به. وفي المقابل، تمنح إيسمي كريد-مايلز شخصية "ماريان" طاقة عاطفية متفجّرة، تتأرجح بين النشوة والانكسار، لتصنع أداءً نابضًا بالحيوية. وتشكّل الكيمياء بين الممثّلتَين العمود الفقري للفيلم، لتبدو العلاقة بين الشقيقتَين أحيانًا أكثر عمقًا وإقناعًا من قصص الحب التي تحيط بهما، فيما تضيف القديرة فيونا شو، بحضورها الكوميدي الآسر في شخصية "السيّدة جينينغز"، جرعة من الحيوية وخفّة الظل، تكسر بها ثقل الميلودراما.


حكاية رقيقة

نجحت القراءة السينمائية الجديدة لـ "Sense & Sensibility" في أن ترى في الأنوثة علاقة معقّدة بين الحرية والواجب، وفي الحب مساحة للاكتشاف والخطأ والنضج. ويذكّرنا الفيلم بأن العقل من دون عاطفة قد يتحوّل إلى قيد، وأن العاطفة من دون بصيرة قد تصبح جرحًا مفتوحًا. وبين الاثنين، ترسم أوكلي حكاية رقيقة ومؤثّرة عن الشقيقتين، وعن هشاشة القلب، وعن ذلك الانتصار الصامت الذي تحقّقه النساء حين يستعدن حقّهن في أن يشعرن ويخترن ويعشن كما يشأن.

شاهدوا الفيلم على الشاشات السينمائية الكبيرة، لتعيشوا سحره الرومانسي بكل تفاصيله.