لم تعد فضائح الغذاء في لبنان مجرّد مخالفات تُسجَّل في محاضر التفتيش، أو حوادث تسمّم عابرة تنتهي بإقفال مطعم أو مستودع. فمع تكرار الإصابات وانتقال المخاطر من اللحوم إلى الحلويات، تتكشّف ثغرات في منظومة السلامة الغذائية، تبدأ من مصادر المواد الأولية وطرق تخزينها وتوزيعها، ولا تنتهي عند أطباق تُقدَّم للمستهلك من دون ضمانات كافية لسلامتها. وبين جشع بعض التجار وضعف الرقابة الوقائية، يجد اللبناني نفسه أمام سوق غذائية تتداخل فيها المخالفات الصحية مع الغش التجاري، فيما تتحرّك الأجهزة المعنية لاحتواء تداعيات ممارسات كان يُفترض ضبطها قبل وصولها إلى موائد المواطنين.
لعلّ الأخطر في هذه القضية لا يقتصر على تسجيل سبع عشرة إصابة بداء الشعرينات نتيجة تناول لحوم خنزير بري نيئة، أو حالات التسمّم المرتبطة بالحلويات في عكار، بل يتعدّاه إلى معلومات تكشفها مصادر رقابية لـ"نداء الوطن" عن خلط لحوم البقر والعجل بلحوم الخنازير المستزرعة في بعض ملاحم جبل لبنان، وبيعها للمستهلك على أنها لحوم بقر خالصة، وهي ممارسات تفتح ملفًا يتجاوز سلامة الغذاء إلى الغش المنظّم والمسؤولية القانونية، وتضع فعالية الرقابة والمحاسبة أمام اختبار جدّي، في وقت تستعد فيه الوزارات المعنية لتنفيذ حملات تفتيش واسعة وإقفال المؤسسات المخالفة.
وزارة الصحة: تحذير من اللحوم النيئة
كشفت مصادر وزارة الصحة العامة لـ"نداء الوطن" عن تسجيل 17 إصابة بداء الشعرينات (Trichinosis)، إثر تناول لحوم خنزير بري نيئة، موضحة أن المصابين نُقلوا إلى عدد من المستشفيات، فيما أظهرت التحقيقات الوبائية ارتباط الإصابات بمصدر غذائي مشترك.
وأشارت المصادر إلى أن عمليات التقصي التي أجرتها الفرق المختصة مكّنت الوزارة من تحديد مصدر اللحوم الملوثة، ما أدى إلى إقفال المطعم والمستودع المعنيين، مؤكدة أن الإجراءات المتخذة ساهمت في احتواء الإصابات ومنع تسجيل حالات جديدة حتى الآن، فيما لا تزال المتابعة الصحية والتحقيقات مستمرة.
وفي هذا الإطار، حذّرت وزارة الصحة، وفق مصادرها، من تناول اللحوم النيئة خلال هذه الفترة، ولا سيما لحوم الخنزير البري، داعية المواطنين إلى توخي أقصى درجات الحذر إلى حين استكمال الحملة الصحية والرقابية على الملاحم ومستودعات اللحوم والسوبرماركت والمؤسسات الغذائية، بهدف التحقق من سلامة المنتجات المعروضة ومصادرها ومدى التزامها بالشروط الصحية.
وشددت المصادر على أن الوزارة تواصل حملات التفتيش والكشف الميداني على المطاعم والمؤسسات الغذائية، بالتنسيق مع الوزارات والإدارات المعنية، كل ضمن صلاحياته، لافتةً إلى أن الإجراءات الرقابية لا تقتصر على معالجة حالات التسمم المسجلة، بل تشمل المتابعة الوقائية المستمرة، وفق الإمكانات المتاحة وعدد الفرق المختصة.
أما في ما يتعلق بحالات التسمم الغذائي المسجلة في عكار والمرتبطة بتناول الحلويات، فأوضحت المصادر أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد المسبب الفعلي، سواء كان مرتبطًا بالقشطة أو الزبدة أو بمكونات أخرى، بالتوازي مع تتبع مصدر الحلويات وآلية توزيعها.
وأكدت المصادر أن وزارة الصحة تعتمد نظام رصد ومتابعة على مدار الساعة، من خلال التواصل المباشر مع المستشفيات التي تُبلغ عن الحالات المشتبه بإصابتها بالتسمم الغذائي، ما يتيح التدخل السريع وإجراء التحقيقات الوبائية اللازمة وتحديد مصادر العدوى واتخاذ التدابير المناسبة.
وختمت المصادر بالتأكيد أن حماية السلامة الغذائية تستدعي تشديد الرقابة على مصادر اللحوم وآليات تخزينها وتوزيعها، إلى جانب التزام المواطنين بالإرشادات الوقائية والامتناع عن استهلاك اللحوم النيئة خلال المرحلة الراهنة، مشددة على استمرار الإجراءات الصحية والرقابية للحد من أي إصابات إضافية.
وفي هذا السياق، كشف وزير الزراعة نزار هاني لـ”نداء الوطن” أن الوزارة تتولى، في المقام الأول، مراقبة جميع اللحوم التي تدخل إلى لبنان عبر المرافئ والمطار والمعابر الحدودية، إلى جانب ممارسة دورها الرقابي على المسالخ ومستودعات اللحوم، في إطار الصلاحيات المنوطة بها.
وأوضح هاني أن مستودعات اللحوم تحصل على أرقام صحية من وزارة الزراعة، فيما تتولى المحافظات إصدار التراخيص اللازمة لها، مشيرًا إلى أن الوزارة تنفّذ عمليات رقابية على هذه المستودعات عند الحاجة، ولا سيما تلك التي تُثار حولها إشكاليات أو ملاحظات تستدعي الكشف والتدقيق، في حين تبقى المستودعات غير المرخّصة، التي لا تُعرف مواقعها، خارج نطاق المستودعات المعروفة لدى الجهات المختصة.
ولفت إلى أن التعاون والتنسيق قائمان بصورة دائمة بين وزارات الزراعة والاقتصاد والصحة والصناعة، من خلال تنفيذ عمليات تفتيش وحملات رقابية وجولات ميدانية مشتركة، على غرار الحملات التي نُفّذت سابقًا وشملت المحضّرات الغذائية والزيوت المهدرجة وغيرها من المنتجات الغذائية، مؤكدًا أن هذا التعاون يشكّل جزءًا أساسيًا من آلية العمل الرقابي بين الوزارات المعنية.
أضاف هاني أن وزارة الزراعة أصدرت تعميمًا إلى جميع مصالحها الإقليمية والمراكز التابعة لها في مختلف المناطق اللبنانية، يقضي بالكشف على جميع مستودعات اللحوم الموجودة ضمن النطاق الجغرافي لعمل كل مصلحة ومركز، وذلك بالتنسيق والتعاون مع وزارات الاقتصاد والصناعة والصحة، بحيث تتولى كل جهة مسؤولياتها الرقابية وفق اختصاصاتها وصلاحياتها.
وفي معرض توضيحه لتوزيع الصلاحيات بين الوزارات، أشار إلى أن المسالخ تحصل على تراخيصها من وزارة الصناعة، فيما تُمارَس الرقابة عليها بالتعاون مع وزارة الزراعة، في حين تحصل مستودعات اللحوم على تراخيصها من المحافظ المختص، بعد حصولها على الرقم الصحي من وزارة الزراعة، أما المطاعم فتخضع لرقابة وزارة الصحة، مشددًا على أهمية التكامل بين هذه الجهات لضمان شمولية عمليات التفتيش والمتابعة.
وشدّد هاني على أن أحد أبرز أدوار وزارة الزراعة، والأهم في هذا الملف، يتمثّل في العمل المخبري الذي تتولاه مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، موضحًا أن جميع الفحوص والتحاليل المتعلقة بالعينات المسحوبة تُجرى في مختبرات المصلحة، بصرف النظر عن الجهة التي تتولى سحب العينات، إذ تُحال إليها العينات التي تجمعها مختلف الجهات المعنية لإخضاعها للفحوص المخبرية اللازمة.
وكشف وزير الزراعة أن نتائج الفحوص الإيجابية المسجّلة حتى اليوم لا تزال محصورة بالعينات المرتبطة بمطعم "نادينيي"، موضحًا أنه لم تظهر حتى الآن أي نتيجة إيجابية في العينات المأخوذة من مستودعات اللحوم التي خضعت للفحص. وختم هاني بالتأكيد أن هناك عينات إضافية لا تزال قيد الفحص والتحليل في مختبرات مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، على أن تتضح نتائجها تباعًا فور استكمال الإجراءات المخبرية اللازمة.
وبحسب دائرة العلاقات العامة في بلدية بيروت المحافظ مروان عبود أصدر أيضًا قرارًا بإقفال مستودع "رهامكو" وختمه بالشمع الأحمر، في منطقة الروشة – شارع أستراليا، بعدما تبيّن أنه يتولى توزيع اللحوم على عدد من المطاعم، وذلك ضمن الإجراءات الرامية إلى متابعة القضية والتحقّق من سلامة المواد الغذائية المتداولة. ويذكر ان المطعم المذكور تقدم بدعوى ضد الشركة التي تزوده باللحوم.
حماية المستهلك: المداهمات مستمرة
بدوره، كشف رئيس مصلحة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، طارق يونس، لـ"نداء الوطن"، أن اللحوم المستوردة إلى لبنان عبر المعابر الشرعية تخضع للفحوص والتحاليل اللازمة من قبل وزارة الزراعة قبل السماح بإدخالها إلى الأسواق اللبنانية، على أن تتولى الإدارات المعنية لاحقًا مراقبتها في نقاط البيع، بما فيها السوبرماركت والملاحم والمطاعم. وأوضح أنه عند الاشتباه بسلامة أي منتج غذائي أو مطابقته للمواصفات، تُسحب عينات منه وتُحال إلى المختبرات المعتمدة، لاتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على نتائج التحاليل.
وفي ما يتعلق بحالات التسمم المرتبطة بأحد مطاعم بيروت، أشار يونس إلى أن مصلحة حماية المستهلك ستتابع التحقيقات بالتنسيق مع وزارة الصحة وبلدية بيروت والمحافظة، بهدف تحديد مصدر اللحوم التي وصلت إلى المطعم، وتعقّب المؤسسات الأخرى التي قد تكون حصلت على لحوم من المصدر نفسه، للتأكد مما إذا كانت المشكلة ناجمة عن تلوث اللحوم عند المصدر أو عن خلل في شروط السلامة الغذائية داخل المطعم.
أما بشأن حالات التسمم المسجلة في عكار، فأوضح أن التحقيقات أظهرت ارتباطها بحلويات باعها بائع متجول أوقفته القوى الأمنية، لافتًا إلى أن الجهات المختصة تمكنت من تحديد المصادر المحتملة للحلويات، وأن دوريات تفتيش ستشمل المعامل والمصانع التي أنتجتها للتحقق من سلامة منتجاتها.
وكشف يونس أن وزارة الاقتصاد، بالتنسيق مع وزارتي الصحة العامة والزراعة والأجهزة الأمنية، ستنفذ حملات تفتيش موسعة في عدد من المحافظات، تشمل المؤسسات الغذائية والمطاعم والملاحم والمستودعات والسوبرماركت، على أن تتواصل المداهمات بمؤازرة أمنية لضبط المخالفات وتسطير المحاضر اللازمة، وصولا إلى إقفال المؤسسات المخالفة وفق الأصول القانونية وبإشارات من النيابة العامة عند الاقتضاء.
ولفت إلى أن الأسابيع المقبلة ستشهد تشديدًا للإجراءات الرقابية وإقفال عدد من المؤسسات المخالفة، في إطار الجهود الرامية إلى حماية سلامة الغذاء والحد من تكرار حالات التسمم، مؤكدًا أن الحملات لن تقتصر على المؤسسات المرتبطة بالإصابات الأخيرة، بل ستشمل مختلف الجهات التي يثبت عدم التزامها بالشروط والمعايير الصحية.
غشّ اللحوم في جبل لبنان: البقر يُخلط بالخنزير
من جهة أخرى، كشفت مصادر رقابية متابعة لـ"نداء الوطن" عن قيام بعض الملاحم في جبل لبنان بخلط لحوم العجل والبقر بلحوم الخنازير المستزرعة، بهدف خفض الكلفة وتحقيق أرباح إضافية، مستفيدةً من الفارق في الأسعار، إذ يتراوح سعر كيلو لحم البقر بين عشرين وخمسة وعشرين دولارًا، مقابل خمسة عشر إلى ثمانية عشر دولارًا للحم الخنزير، وقد ينخفض عن ذلك. وأكدت المصادر أن هذه الممارسات تشكّل غشًا غذائيًا وتضليلا متعمّدًا للمستهلك، خصوصًا عند تسويق اللحوم المخلوطة على أنها لحوم بقر أو عجل خالصة، موضحةً أن عمليات الخلط تترافق مع استخدام تتبيلات وبهارات خاصة لإخفاء الفوارق بين نوعَي اللحوم، بحيث تبدو متجانسة من حيث اللون والقوام، ويصعب التمييز بينها، ولا سيما بعد التجميد والشواء، حين تتقارب النكهة والمظهر الخارجي.
وحذّرت المصادر من المخاطر الصحية الناجمة عن هذه الممارسات، ولا سيما احتمال الإصابة بداء الشعرينات (Trichinosis)، الناتج عن طفيليات تُعرف باسم "تريخينيلا" (Trichinella)، والتي قد تنتقل إلى الإنسان عند تناول لحوم خنزير مصابة، نيئة أو غير مطهوة بصورة كافية. وتكمن الخطورة في أن المستهلك الذي يشتري اللحوم على أنها بقر أو عجل لا يدرك احتواءها على لحوم خنزير، وبالتالي قد يعتمد طرق طهو لا تضمن القضاء على الطفيليات في حال وجودها. وشددت المصادر على ضرورة تكثيف الرقابة على الملاحم والمستودعات ومصادر اللحوم، وسحب عينات لإخضاعها لفحوص مخبرية متخصصة، لكشف عمليات الغش والخلط غير المعلن، والتأكد من سلامة المنتجات الغذائية، تفاديًا لتكرار الإصابات التي قد تتسبب بمضاعفات صحية خطيرة.
معوّض: التلوث المتبادل خطر لا يستهان به
من جهتها، حذّرت اختصاصية التغذية وصحة الجسم بينالا معوض فرنجيه، في حديث إلى "نداء الوطن"، من المخاطر الصحية المرتبطة بخلط أنواع مختلفة من اللحوم، ولا سيما لحوم البقر والغنم بلحوم الخنزير من دون علم المستهلك، موضحةً أن خلط لحوم البقر والغنم يُعدّ ممارسة شائعة في إعداد عدد من الأطباق، ولا يشكّل بحدّ ذاته خطرًا صحيًا متى كانت اللحوم سليمة ومحفوظة وفق الشروط المطلوبة. إلا أن إدخال لحوم الخنزير في خلطات تُباع على أنها لحوم بقر أو غنم يثير إشكاليات صحية وغذائية، فضلًا عن تضليل المستهلك بشأن طبيعة اللحوم التي يتناولها.
وأوضحت معوّض أن أحد أبرز المخاطر يرتبط بما يُعرف علميًا بالتلوث المتبادل (Cross-contamination)، الذي يحدث نتيجة انتقال الميكروبات من اللحوم الملوثة إلى اللحوم السليمة، سواء خلال الفرم والخلط أو عبر المعدات والأسطح المستخدمة في التحضير. وشددت على ضرورة التأكد من نظافة آلات فرم اللحوم (Meat Grinders)، وألواح التقطيع (Cutting Boards)، والسكاكين وأسطح العمل وأماكن التخزين، وعدم وجود بقايا لحوم سابقة أو ملوثات قد تنتقل إلى المنتجات الأخرى، لافتةً إلى أن مصدر التلوث قد يكون أحيانًا غير ظاهر، ما يجعل الالتزام الصارم بمعايير النظافة والتعقيم ضرورة أساسية في التعامل مع اللحوم النيئة.
وفي ما يتعلق بلحوم الخنزير، سلّطت معوّض الضوء على مخاطر الإصابة بداء الشعرينات (Trichinellosis أو Trichinosis)، الناتج عن طفيليات من جنس (Trichinella)، والتي قد تنتقل إلى الإنسان عند تناول لحوم مصابة، نيئة أو غير مطهوة بصورة كافية. وميّزت بين هذه العدوى الطفيلية والعدوى البكتيرية التي قد تسببها جراثيم مثل السالمونيلا (Salmonella) والإشريكية القولونية (Escherichia coli – E. coli)، مشيرةً إلى أن داء الشعرينات قد يتسبب بأعراض تبدأ بآلام البطن والغثيان والإسهال والإرهاق، وقد تتطور إلى ارتفاع الحرارة وآلام عضلية شديدة وتورّم في الوجه ومحيط العينين، فيما تستدعي بعض الإصابات الحادة دخول المستشفى لتلقي العلاج.
وأكدت أن الخطورة تتضاعف عندما لا يكون المستهلك على علم باحتواء اللحوم التي اشتراها على لحم الخنزير، إذ قد يعمد إلى تناولها نيئة أو تحضيرها بطريقة لا تضمن بلوغ درجة الحرارة الداخلية الآمنة للقضاء على الطفيليات. وشددت على ضرورة الفصل الواضح بين أنواع اللحوم والإفصاح عن مكوناتها، واحترام رغبة المستهلك في اختيار نوع اللحوم التي يتناولها، مع الالتزام بالشروط الصحية الخاصة بتداولها وتحضيرها.
وردًا على سؤال "نداء الوطن" حول كيفية الحفاظ على اللحوم وتخزينها بصورة آمنة داخل المنازل، شددت معوّض على أن سلامة اللحوم لا تتوقف عند مصدر شرائها، بل تشمل أيضًا طريقة نقلها وتغليفها وحفظها بعد وصولها إلى المنزل. ونصحت بوضع اللحوم في البراد فور شرائها، وعدم تركها خارج التبريد، خصوصًا إذا لم تكن ستُستخدم مباشرة، على أن تُنقل إلى الثلّاجة المجمّدة (Freezer) عندما يكون التخزين لفترة أطول.
وأوصت بتغليف اللحوم بإحكام باستخدام مواد مخصصة لحفظ الأغذية، ووضعها داخل عبوات محكمة الإغلاق (Airtight Containers)، بهدف منع تسرب السوائل والعصارات وانتقال الملوثات إلى الأطعمة الأخرى. كما شددت على ضرورة تخصيص الرف السفلي من البراد للحوم والدجاج النيئين، منعًا لتساقط السوائل على الخضار والفواكه وسائر المواد الغذائية، وما قد ينتج عن ذلك من تلوث متبادل.
وفي ما يتعلق بمدة الحفظ، نصحت معوّض بعدم إطالة تخزين اللحوم في المجمّدة، واعتماد فترة تقارب أربعة أشهر للحفاظ على جودتها، مع التأكيد أن التجميد لا يعني إمكانية الاحتفاظ بها من دون مراعاة شروط التخزين. أما في البراد، فشددت على ضرورة استهلاك اللحوم خلال فترة قصيرة، مشيرةً إلى مدة لا تتجاوز ثلاثة أيام في توصياتها العامة، مع ضرورة مراعاة نوع اللحوم وحالتها، إذ تختلف مدة حفظ اللحوم المفرومة عن القطع الكاملة.
أما عند إخراج اللحوم من المجمّدة، فنصحت بنقلها إلى البراد قبل موعد استخدامها بوقت كافٍ، ويفضّل قبل يوم بالنسبة إلى الكميات الصغيرة، لتذوب تدريجيًا ضمن درجة حرارة آمنة، بدل تركها على طاولة المطبخ. وحذّرت من إبقاء اللحوم خارج التبريد لأكثر من ساعتين، مع تقليص هذه المدة في الأجواء الحارة، تفاديًا لتكاثر البكتيريا وارتفاع احتمالات التسمم الغذائي.
وخلصت معوّض إلى أن الوقاية تبدأ من اختيار مصدر موثوق للحوم، مرورًا بنظافة أدوات التحضير والفصل بين المنتجات النيئة والأطعمة الجاهزة للاستهلاك، وصولًا إلى التغليف والتخزين والطهو السليم، مؤكدةً أن أي إهمال في هذه المراحل قد يحوّل مادة غذائية أساسية إلى مصدر خطر على صحة المستهلك.
إذًا ، لا تختصر أزمة السلامة الغذائية في لبنان بإقفال مطعم أو توقيف بائع متجوّل أو مداهمة مستودع مخالف، بل تكشف الحاجة إلى رقابة فعلية تبدأ من مصدر المنتج وترافقه حتى وصوله إلى المستهلك. فالغش في مكوّنات اللحوم، والتهاون في شروط الحفظ والتوزيع، وغياب الشفافية بشأن طبيعة المواد الغذائية، ليست مجرد مخالفات تجارية، بل ممارسات قد تنعكس مباشرة على الصحة العامة.