ناديا غصوب

هل خسر ترامب الداخل بسبب الحرب مع إيران؟

4 دقائق للقراءة
سيشهد العامان المتبقيان من ولاية ترامب واقعًا سياسيًا مختلفً

لم تكن نتائج انتخابات منتصف الولاية الأميركية، التي جرت في الثالث من تشرين الثاني، مجرد انتكاسة انتخابية للحزب الجمهوري، بل عكست تحوّلا في المزاج الأميركي، وطرحت تساؤلات حول سياسات دونالد ترامب، والحرب مع إيران، وطبيعة العلاقة مع إسرائيل، في ظل تداعيات اقتصادية تجاوزت حدود الولايات المتحدة والمنطقة.

فأظهرت النتائج أن الأوضاع المعيشية أصبحت في صلب اهتمامات الناخب الأميركي. فارتفاع أسعار الوقود، وغلاء المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب الأعباء الاقتصادية المرتبطة بالحرب، كلها عوامل ساهمت في تراجع الدعم للجمهوريين. وبذلك، تلقى البيت الأبيض رسالة بأن السياسة الخارجية لا يمكن فصلها عن كلفتها الداخلية.

والمفارقة أن ترامب، الذي رفع شعار "أميركا أولا"، يجد نفسه أمام تساؤلات حول مدى التزامه بهذا المبدأ. فكيف يمكن وضع مصالح الأميركيين في المقدمة، فيما تتحمل الأسر أعباء اقتصادية إضافية نتيجة المواجهات العسكرية؟ وهل تتقدم مصالح المواطن الأميركي فعلا على الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بإسرائيل؟

والسؤال الأعمق يتعلق بالمصالح التي تحكم قرارات ترامب: هل تتحرك إدارته وفق مصلحة الدولة، أم أن حسابات النفوذ والمكاسب السياسية والاقتصادية، إلى جانب المصالح التجارية والمالية المرتبطة بالرئيس وعائلته، تؤثر في خياراته؟ إنها تساؤلات تزداد أهمية في ظل غياب وضوح كافٍ حول حدود الفصل بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.

وفي هذا السياق، جاء إعلان ترامب، يوم الانتخابات، نيته إنهاء المساعدات الأميركية السنوية المباشرة لإسرائيل، التي تبلغ نحو 3.8 مليارات دولار، مع الإبقاء على إمكانية بيع الأسلحة لها. وربط الرئيس خطوته بالانتقادات التي يتعرض لها الجمهوريون بسبب هذا الدعم، مشيرًا إلى المرشح الديمقراطي عبدول السيد ومواقفه منه. وبدا الإعلان محاولة لتخفيف الضغط الانتخابي عن حزبه، أكثر منه إعلانًا عن تغيير جذري في التحالف مع تل أبيب. كما أن تنفيذ هذا التوجه لا يزال غير محسوم، في ظل الاتفاق القائم حتى عام 2028 ودور الكونغرس في إقرار التمويل.

لكن نتائج الانتخابات كشفت أيضًا اتساع الاعتراض داخل المجتمع الأميركي على حجم الدعم المالي والعسكري لإسرائيل، ما يضع هذه العلاقة أمام نقاش سياسي وانتخابي متزايد، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولا في جوهر التحالف بين البلدين.

ولم تقتصر تداعيات الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل بهجومهما العسكري المشترك على إيران في 28 شباط، على أطراف المواجهة، بل امتدت إلى دول المنطقة والاقتصاد العالمي. فمع اتساع الردود العسكرية لتشمل مواقع في عدد من الدول المجاورة، واضطراب حركة الملاحة وأسواق الطاقة، ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين والنقل، وانعكست هذه التطورات على أسعار السلع والخدمات. وهكذا، تجاوزت كلفة الحرب حدودها العسكرية، لتتحمل اقتصادات وشعوب لم تكن طرفًا في قرار إطلاقها أعباء تداعياتها.

وكان لبنان من بين الدول الأكثر تعرضًا لهذه الضغوط، بسبب اعتماده الكبير على الاستيراد وضعف قدرته الاقتصادية. فارتفاع أسعار المحروقات والشحن والنقل يضيف أعباء جديدة على مواطن أنهكته سنوات الانهيار، ويهدد بمزيد من التراجع في قدرته المعيشية.

سياسيًا، يواجه ترامب تحديًا إضافيًا بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، على أن يتسلموا السيطرة رسميًا في كانون الثاني المقبل. وهذا يعني أن السنتين المتبقيتين من ولايته ستشهدان واقعًا سياسيًا مختلفًا، مع قدرة أكبر للمعارضة على مراقبة الإدارة وعرقلة بعض مشاريعها.

فهل تدفع هذه النتائج ترامب إلى إعادة النظر في خياراته الخارجية والبحث عن تسويات تخفف كلفة المواجهات، أم أن العالم سيواصل دفع ثمن صراعات تتجاوز قدرته على التأثير في قراراتها؟