في إسرائيل، حاسَب الشعب بنيامين نتنياهو، وفي الولايات المتحدة، شكّلت نتائج الانتخابات النصفية صفعةً للرئيس الأميركي دونالد ترامب، احتجاجاً على قراراته وسياساته. ليس لأنهما خسرا حروباً، بل لأن الحروب التي خاضتها بلادهما والخيارات السياسية التي اتُّخذت باسميهما انعكست مباشرةً على حياة المواطنين ومستوى رفاهيتهم. ففي إسرائيل وأميركا، يسأل المواطن حاكمه: ماذا حققت لنا؟ وكم كلّفتنا قراراتك؟ ومن يتحمّل مسؤولية نتائجها؟ أما نحن، فماذا نفعل؟ نُهلّل لخيارات الإسرائيليين والأميركيين، لكننا لا نتعلّم من تجاربهم، بل نزداد التصاقاً بأصنامٍ من أشباه الآلهة، لا تمسّهم محاسبة ولا تطالهم مساءلة.
نحن، شعوب هذا المشرق، ما زلنا أسرى ثقافة سياسية عاطفية وعشائرية مدمّرة؛ نقدّس جلّادينا، ونمجّد من يقودوننا إلى الهزائم، ونلتمس لهم الأعذار بدلاً من محاسبتهم وتحميلهم مسؤولية قراراتهم ونتائجها. عندنا، يُعاد تسويق الفشل على أنه صمود، والهزيمة على أنها انتصار إلهي، والدمار على أنه تضحية واجبة. ومن هرب وترك جيشه فريسةً للمحتل، نجدد له الولاء ونمنحه فرصة جديدة ليقودنا مجدداً إلى جهنم، فيما يصبح كل من يطالب بالمحاسبة موضع اتهام بالخيانة أو التآمر.
المشكلة ليست في أننا نخوض الحروب ونخسرها، بل في أننا لا نتعلّم من خسائرنا. لا نراجع قراراتنا، ولا نحاسب من اتخذها، ولا نسأل عن الثمن الذي دفعته الشعوب من أرواح أبنائها وأمنها واقتصادها ومستقبل أجيالها. والأسوأ أننا نعيد إنتاج القيادات والخطابات والخيارات نفسها، وكأن الهزيمة قدر لا يمكن تغييره، وكأن الشعوب خُلقت لتدفع الأثمان فيما يبقى أصحاب القرار فوق المساءلة.
لقد تحوّلت الزعامة في ثقافتنا السياسية من مسؤولية إلى امتياز، ومن تكليف إلى حصانة، ومن خدمة عامة إلى سلطة فوق المساءلة والنقاش. وأصبح الولاء للشخص أو للحزب أو للطائفة يتقدّم على الولاء للوطن، فيما تراجعت قيمة الإنسان وحقه في حياة آمنة وكريمة. وزاد الطين بلّة شعارات الخضوع الأعمى من نوع «بالروح بالدم نفدي الزعيم»، أو «فدى السيد والمرشد»، حتى بات تقديس الأشخاص أعلى من كرامة الأنسان، والطاعة العمياء أسمى من حرية التفكير وحق المحاسبة.
إن المحاسبة ليست انتقاماً من الحاكم، ولا تنكّراً للتضحيات، ولا طعناً في القضايا الوطنية. إنها أساس الدولة ومقدمة أي إصلاح حقيقي. فليس المطلوب أن ينتصر الحاكم في كل معركة، بل أن يتحمّل مسؤولية قراراته، وأن يشرح لشعبه أسبابها ونتائجها، وأن يدرك أن أرواح الناس ومستقبلهم ليسا ملكاً له أو لمن فوّضوه.
متى نتعلّم أن القائد الذي يطلب من شعبه التضحية، عليه أولاً أن يشاركهم فيها، وأن يقبل المساءلة والمحاسبة؟ ومتى ندرك أن تمجيد الهزيمة لا يصنع انتصاراً، وأن تقديس الأشخاص لا يبني أوطاناً؟
ربما آن الأوان لكي ننتقل من ثقافة تمجيد الزعماء إلى ثقافة مساءلتهم، ومن تقديس الشعارات إلى تقييم النتائج، ومن التسليم بالأمر الواقع إلى ممارسة حقنا في السؤال.
فالشعوب لا تُقاس بعظمة الشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على حماية أبنائها ومحاسبة حكّامها.
فمتى نتعلّم أن الحاكم خادم لشعبه، وليس الشعب وقوداً لمشاريع حاكمه؟