تجاوزت تداعيات الانتخابات النصفية الأميركية مجرّد انقلاب موازين القوى في الكونغرس لمصلحة الديموقراطيين على حساب الجمهوريين، لتطول عمق الحزبين، وتكشف تصدّعات في بنيتهما السياسية، وتفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة المنافسة على البيت الأبيض عام 2028. فالجمهوريون يواجهون معضلة إيجاد شخصية تستطيع تجاوز الحالة الترامبية من دون خسارة قاعدتها، فيما يقف الديموقراطيون أمام تحدّي تحويل انتصارهم الكاسح إلى مشروع سياسي متماسك، يتعدّى مجرّد التقاطع على معارضة الرئيس الجمهوري. وبين حزب تتآكل قاعدته الانتخابية، وآخر لم تتبلور بعد هويّته السياسية، تبدو الانتخابات الأخيرة منعطفًا مفصليًّا في المشهد الأميركي.
لعلّ أخطر ما فعلته الهزيمة الجمهورية أنها أصابت التحالف الانتخابي الذي أعاد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2024 في صميمه. فقد نجح الديموقراطيون في اختراق معاقل محافظة، أبرزها تكساس وكانساس، واستعادة شرائح من الناخبين اللاتينيين والشباب والمستقلّين. وجاءت هذه التحوّلات بسبب تصاعد الاستياء من الحرب ضدّ إيران وتداعياتها الاقتصادية، ولا سيّما ارتفاع تكاليف المعيشة. غير أنّ المأزق الجمهوري يتجاوز تراجع شعبية ترامب إلى صعوبة التحرّر من إرثه؛ فالترامبية، وإن فقدت بعض قدرتها على استقطاب الناخبين خارج القاعدة المحافظة، لا تزال تتمتّع بنفوذ واسع داخل الحزب، ما يجعل القطيعة معها مغامرة سياسية، والاستمرار في نهجها مخاطرة انتخابية.
ومن رحم هذه المعضلة تنطلق المعركة الجمهورية لخلافة ترامب عام 2028، وفي طليعة المتنافسين المحتملين نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي يستمدّ ثقله من ارتباطه بحركة "ماغا"، لكنّه يدفع ثمن التصاقه بسياسات الإدارة. وقد عكست مسارعته إلى تحميل الحرب ضدّ إيران مسؤولية الهزيمة سعيًا للتمايز عن الرئيس من دون خسارة قاعدته السياسية، وهي معادلة يصعب تحقيقها بعدما كان شريكًا في الدفاع عن خيارات البيت الأبيض.
ويبرز وزير الخارجية ماركو روبيو منافسًا محتملًا، مستندًا إلى خبرته الدبلوماسية وعلاقاته داخل المؤسّسة الجمهورية وأصوله اللاتينية. ورغم نفي وزارة الخارجية الأميركية تقارير إعلامية تحدّثت عن احتمال مغادرته الإدارة تمهيدًا لخوض السباق الرئاسي، فإنّ هذه التكهّنات تشير إلى حجم الاهتمام بمستقبله السياسي، وتسلّط الضوء على المعضلة التي يواجهها، إذ إنّ بقاءه في موقع متقدّم داخل الإدارة يعزّز حضوره السياسي، لكنّه يربطه في الوقت نفسه بسياسات ترامب وتبعاتها الانتخابية.
أمّا حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، فيسعى إلى استثمار صمود الجمهوريين في ولايته لإعادة تقديم نفسه بديلًا محافظًا قادرًا على تجاوز الترامبية، رغم إخفاقه السابق في منافسة ترامب، فيما تلقي الانتكاسة الجمهورية في تكساس بظلالها على الطموحات الرئاسية للسيناتور تيد كروز.
وعلى الضفة الديموقراطية، لا تقلّ التحدّيات تعقيدًا رغم نشوة الانتصار. فاستعادة السيطرة على الكونغرس واختراق المعاقل الجمهورية لا يعنيان بالضرورة انحياز المزاج الأميركي نحو "حزب الحمار" واليسار، بقدر ما يعكسان تصويتًا عقابيًّا ضدّ إدارة ترامب. ويؤكد نجاح مرشحين وسطيين وتقدّميين أنّ الانتصار لم يحسم الصراع على هوية الحزب، بل أعاد فتحه من موقع القوّة. فالتيار المعتدل يرى في النتائج دليلًا على ضرورة استعادة الطبقة العاملة والمستقلّين بخطاب اقتصادي واقعي، في حين يعتبر الجناح التقدّمي أنّ مواقفه الراديكالية كانت أحد محرّكات الانتصار. وسيتمثّل الاختبار الأصعب في الموازنة بين محاسبة ترامب وتلبية المطالب المعيشية للناخبين، خصوصًا أنّ الفيتو الرئاسي قد يقيّد قدرة الحزب الأزرق على ترجمة انتصاره إلى إنجازات ملموسة.
وفي خضمّ هذا التنافس، تتبلور ملامح السباق الديموقراطي لعام 2028. فقد منح الفوز في جورجيا السيناتور جون أوسوف زخمًا جديدًا بوصفه وجهًا شابًا قادرًا على استقطاب الناخبين في ولاية متأرجحة، وإن كانت تجربته على المستوى الوطني لا تزال محدودة. كذلك، عزّز حاكم بنسلفانيا جوش شابيرو موقعه بإعادة انتخابه، مستندًا إلى خطاب وسطي وتجربة حكم في ولاية محورية، غير أنّ استمالة القاعدة التقدّمية ستُشكّل تحدّيًا أمامه.
أمّا حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، فيعوّل على حضوره الوطني ومواجهاته المتكرّرة مع ترامب، وإن كانت هويته الليبرالية وسجلّه الإداري قد يُثيران تحفّظات خارج المعاقل الديموقراطية. وتجسّد النائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز طموح اليسار الراديكالي إلى إحداث تغيير جذري في هوية الحزب، مستفيدةً من قدرتها على تعبئة الشباب، لكنّ توسيع جاذبيّتها خارج المدن الليبرالية يبقى تحدّيًا هائلًا. أمّا نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، فرغم حضورها الوطني، ستظلّ خسارتها عام 2024 عبئًا على طموحاتها الرئاسية.