طهران تستنجد بموسكو وتساوم واشنطن بشروطها

4 دقائق للقراءة
بوتين خلال استقباله رضائي في موسكو أمس (رويترز)

في توقيت تتزاحم فيه رسائل التفاوض وإنذارات الحرب، يكتسب استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي معنى يتجاوز العلاقات الثنائية. فالمسؤول الإيراني زار موسكو أمس حاملًا رسالة من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية مجتبى خامنئي، في وقت تبحث فيه طهران عن قراءة للمرحلة الأميركية الجديدة، وعن سند يخفّف كلفة الخيارات المقبلة. ووَصفُ رضائي المباحثات بأنها "بالغة الأهمّية" يفتح باب التأويل، مع بقاء مضمون الرسالة طيّ الكتمان.

تكشف تركيبة الحضور الروسي، بمشاركة مسؤولَين متّصلين بالسياسة الخارجية والاستخبارات العسكرية، اتّساع نطاق البحث المحتمل. أمّا حديث بوتين عن آليات أمنية إقليمية ورفض التدخل الخارجي، وفق ما نقل عنه رضائي، فيرسم إطارًا تسعى موسكو من خلاله إلى تثبيت موقعها الضامن في أيّ تسوية. وتمنح مشاريع الغاز هذا التقارب امتدادًا اقتصاديًّا، إذ تستطيع روسيا تعزيز ارتباط إيران بها، وتوسيع منافذ صادراتها عبر الأراضي الإيرانية. غير أن الشراكة بين دولتين مثقلتين بالعقوبات تظلّ مختلفة عن امتلاك القدرة على انتزاع تنازلات أميركية. تبدو زيارة رضائي محاولة لحجز دور روسي في ترتيبات ما بعد الحرب، مع إبقاء قنوات التفاوض الإقليمية مفتوحة أمام مقترحات لم تنضج بعد.

بالتوازي، توحي اتصالات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بعدد من نظرائه الخليجيين بتوزيع الأدوار بين مسارين: الاستناد إلى موسكو لتحسين الموقع التفاوضي، والاستعانة بالعواصم القادرة على التواصل مع واشنطن لاختبار مخارج الحرب. وفي هذا السياق، كشف مسؤول إيراني كبير لوكالة "رويترز" أمس أنّ طهران أرسلت مقترحًا نوويًّا إلى أميركا عبر قطر، وأنّ واشنطن تعكف على مراجعته. غير أنّ الانفتاح على تبادل المقترحات لا يعني بدء التفاوض على مضمونها؛ إذ ربط المسؤول مناقشة المقترح بتلبية واشنطن المطالب الإيرانية السبعة، ما يُبقي المسار الدبلوماسي محكومًا بعقدة الشروط المسبقة.

ويكتسب الاتصال بوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أهمّية خاصة، وسط استمرار الهجمات الحوثية. فالرياض تتلقّى رسائل دبلوماسية من طهران، وصواريخ وطائرات مسيّرة من حلفائها في اليمن؛ وهذه الفجوة تجعل أيّ حديث عن الاستقرار محتاجًا إلى ترجمة أمنية يمكن قياسها.

تقع هنا العقدة الأشدّ حساسية: هل تستخدم إيران تعدّد الجبهات لتحسين شروط الاتفاق، أم بات اتّساع المواجهة يُضيّق قدرتها على ضبط إيقاعها؟ استمرار تهديد الملاحة في هرمز، بالتزامن مع التصعيد الحوثي، يرفع أثمان الانتظار على الجميع، ويجعل الوساطات سباقًا مع حادث قد يستدعي ردًّا واسعًا. وبين مقترح تراجعه واشنطن وشروط تضعها طهران قبل مناقشته، يبقى تباعد المواقف بشأن المضيق والحصار والعقوبات والبرنامج النووي عائقًا أمام تحويل تبادل الأوراق وكثافة الاتصالات إلى مسار تسوية فعلي.

وفي واشنطن، تضيف خسارة الجمهوريين الانتخابات النصفية ضغطًا على الرئيس دونالد ترامب، وتفتح نقاشًا داخل معسكره حول كلفة الحرب. وتحميل نائب الرئيس جيه دي فانس الحرب مسؤولية الهزيمة يكشف حساسية استمرارها سياسيًّا. لكن قراءة الخسارة باعتبارها ضمانة للتهدئة تنطوي على مجازفة؛ فقد تدفع ترامب إلى البحث عن إنجاز تفاوضي، وقد تغريه بضربة يسعى عبرها إلى فرض شروط أفضل.

وعند الطرف الإسرائيلي، تتقدّم حظوظ رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت نسبيًّا، بعدما أوصت به القائمتان العربيتان وامتنع حليف ديني لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، هو حزب "يهودية التوراة"، عن تزكية الأخير. إلّا أن اتّساع رصيد التوصيات يسبق معركة تأمين ائتلاف قابل للحياة، وسط اعتراضات على الاستعانة بالدعم العربي. وعندما يُعلن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الأحد مَن سيُكلّفه تشكيل الحكومة الجديدة، ستتّجه الأنظار إلى هوية مَن سيخوض اختبار ترجمة التوصيات إلى أكثرية حاكمة.

وتدخل إسرائيل بذلك مرحلة تفاوض داخلي توازي المفاوضات الإقليمية: نتنياهو يُقاتل للبقاء، وآيزنكوت يحاول تحويل التفوّق العددي إلى سلطة. وبين واشنطن وموسكو والخليج وتل أبيب، تتكاثر فرص الحركة الدبلوماسية، فيما تبقى القدرة على إشعال الحرب أسرع من القدرة على إغلاق جبهاتها.