تتّضح يوميّاً صورة البلد المزدوج في مرايا الانقسام اللبناني. الخلاف هنا ليس مجرّد خلاف بين رأيين. إنّه خلاف عموديّ جذريّ متأصّل بين أعداء لا جامع بينهم على الإطلاق. المثال الطازج الأخير ظهَرَ إثر وفاة أنيس النقّاش الذي رآه البعض مناضلاً مفكّراً، و"واحداً من رعيل المفكرين الشرفاء"، بحسب تعبير رئيس الوزراء السابق سليم الحصّ، بينما نظر إليه البعض الآخر بصفته إرهابياً مجرماً وحليفاً لأنظمة شمولية دينيّة وأخرى تدّعي العلمانيّة لكنها، في الوقت نفسه، تُعَبِّد الطريق نحو التشدّد الديني في ظلّ القمع وفي غياب أيّ مشروع مجتمعي ثقافي ومعرفي.
في مطلع ثمانينات القرن الماضي، ملأت أخبار النقّاش الصحف ووسائل الإعلام بعدما حاول مع مرافقين له اغتيال رئيس الوزراء الإيراني السابق شهبور بختيار في أحد مباني الضاحية الباريسيّة "نويي سور سين". خلال هذه المحاولة التي استُعملت فيها مسدّسات كاتمة للصوت، قَتل أفراد المجموعة، وكان النقاش على رأسها، الشرطيَّ الذي كان يحرس المبنى، وكان له من العمر 22 سنة، ثمّ، لدى وصولهم إلى الطابق الرابع، أصابوا شرطياً آخر. ثمّ أخطأوا في الشقّة المقصودة فقتلوا المدعوّة إيفون ستاين البالغة من العمر 45 سنة، ثمّ وجّهوا رصاصهم نحو أختها وتركوها غارقة في دمائها.
نتساءل بعد مضيّ هذا الوقت كلّه: هل أُعيد النظر في تلك المرحلة وتوجّهاتها وأساليبها، أم أنّ الذهنية السائدة ترفض قراءة الماضي وأخذ العِبَر منه، وتأنف من القيام بأيّ نقد ذاتي. قلّة قليلة من كوادر الحركة الوطنية عملت على تقييم تجربتها السابقة والاعتراف بأخطائها وتغيير مسارها. البقية، أي الأكثرية الساحقة، ما زالت تتعاطى مع التجارب والأفكار كأنها أشياء مقدّسة. لننظر إلى حال أحزاب تلك المرحلة وإلى أين وصلت وما هي مهامّها اليوم. هذه هي طبيعة الإيديولوجيا التي تتحوّل إلى ديانة، وتفكّر نيابةً عن الإنسان، وهذا هو مبعث العنف والتخوين وتسويغ الاغتيال كأنه شيء طبيعي في حياتنا اليومية. ننتقده ونمارسه في وقت واحد. لكن، من قال إنّ النضال لا يخضع لمعايير إنسانية وأخلاقيّة أيضاً؟ من قال إنّ المظلوم لا يمكن، مهما كان التبرير السياسي، أن يكون ظالماً وأن يتحالف مع الظالمين؟
ما تعرّض له اليهود في أوروبا إبّان الحرب العالمية الثانية هو جريمة ضدّ الإنسانية. لكن، على الرغم من حجم تلك الجريمة، لا شيء يبرّر لأحفاد الذين عُذِّبوا وقُتلوا أن يعذِّبوا، بدَورهم، ويَقتلوا. القتل، هنا، قتلٌ لجوهر معاناتهم نفسها أيضاً، وارتداد عليها.
خلاصة القول: هل يمكن أن أكون مناضلاً في قضية عادلة ومجرماً في الوقت نفسه: ليس في قتل من يختلف معي في الرأي وحسب، بل في قتل الأبرياء أيضاً؟ أقتلهم وأتعاطف مع من يقتلهم! انصياع تامّ وطاعة عمياء! وما معنى الانقياد الأعمى للدين، للطائفة، للحزب، وإلى أين يمكن أن يؤدّي؟
في مسرحيّة "العادلون" التي تستند إلى وقائع حقيقيّة، يطرح ألبير كامو مسألة الاغتيال والأخلاق من وجهة إنسانية، ويحكي عن مجموعة شبّان روس، ينتمون إلى حزب ثوري، يعدّون في موسكو، العام 1905، لاغتيال الدوق الأكبر سيرج، عمّ القيصر. حين وصلت العَرَبة التي تقلّ هذا الأخير، اقترب منها الشخص المطلوب منه أن يلقي عليه القنبلة، ويدعى كالْياييف، لكنه وجد داخلها أطفالاً فتراجع عن تنفيذ مهمّته. كالْياييف لم يتمكّن من قتل الأطفال، حتى من أجل العدالة، وحتى من أجل أن ينقذ ألوف الأطفال الروس من ظلم القيصر، ولكي لا ينعدم، وفق رأيه، الفارق بين القاتل والقتيل. الثوريّ، بالنسبة إلى هذا الشابّ الروسي، ينبغي أن يكون إنساناً أولاً ليستحقّ صفة ثائر. لكن، في المقابل، كان هناك شخص آخر يدعى ستيبان، وهو النقيض لكالْياييف لأنه يعتبر أنّ الغاية تبرّر الوسيلة وأنّ الأفكار المُطلَقة أهمّ من البشر وأهمّ من الأطفال.
تختصر هذه الحادثة السجال القائم وتعيدنا إلى السؤال الأول الذي سيبدو للبعض، في الظروف التي نعيشها، سؤالاً طوباوياً: هل يجوز أن نتخلّى عن إنسانيتنا ونحن نناضل من أجل القضايا الإنسانية العادلة؟ وهل لهذا السؤال مكان في العالم العربي اليوم، وأيضاً بالنسبة إلى الذين يستأثرون بالسلطة في العالم أجمع؟