يشكّل إخلاء السبيل الوجوبي المنصوص عليه في المادة الخامسة من قانون العفو رقم 70 استثناءً على القواعد العامة التي ترعى التوقيف الاحتياطي وإخلاء السبيل في القضايا الجزائية، ذلك أنه ينزع عن المحكمة سلطتها التقديرية في تقرير إخلاء سبيل المدعى عليه أو إبقائه موقوفًا، ويُلزمها بإخلاء سبيله حكمًا، من دون قيد أو شرط، متى توافرت الشروط التي حددها المشرع في هذه المادة.
غير أن تحديد نطاق تطبيق هذا النص، ولا سيما في الحالات التي يكون قد صدر فيها حكم في القضية قبل أن يُنقض وتُعاد المحاكمة من جديد، يقتضي عدم الوقوف عند المعنى الحرفي لعباراته فحسب، بل العودة إلى الأسباب الموجبة التي حدت بالمشرع إلى إقراره، واستجلاء الغاية التي توخاها منه، باعتبار أن النصوص القانونية ينبغي أن تُقرأ في ضوء مقاصدها، وأن يُعتمد، عند احتمالها أكثر من تفسير، التفسير الذي يحقق الغاية التي وُضعت من أجلها، لا الذي يؤدي إلى تعطيلها.
فقد نصت المادة الخامسة، وفقًا للصيغة موضوع البحث، على ما حرفيته:
"استثنائيًا، وفي كل الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 1/3/2026، والتي لم يصدر فيها أي حكم، وفي حال تجاوزت مدة التوقيف 12 سنة سجنية، يُخلى سبيل المدعى عليه حكمًا وتستمر محاكمته وفقًا للأصول القانونية".
وغنيّ عن البيان أن المشرع، عندما تحدّث عن الجرائم التي لم يصدر فيها أي حكم، إنما قصد بذلك الدعاوى التي لم يصدر فيها أي حكم، باعتبار أن الأحكام القضائية لا تصدر في الجرائم بحدّ ذاتها، وإنما في الدعاوى الناشئة عنها. كما أن صدور الحكم يفترض بالضرورة إجراء محاكمة وفقاً لأصول وإجراءات محددة قانوناً، يتصل بعضها بالنظام العام، ولا تجوز مخالفتها أو تجاوزها لأي سبب كان وتحت أي ظرف من الظروف.
ويترتب على ما تقدّم أن الكلمة المفتاحية في نص المادة الخامسة من قانون العفو العام هي "المحاكمة"، باعتبارها الإطار الإجرائي الذي يصدر الحكم في سياقه، والذي يتعيّن بالتالي الرجوع إليه لتحديد المقصود بعبارة "لم يصدر فيها أي حكم" وتفسير نطاق تطبيق هذه المادة وآثارها القانونية.
ويُستفاد من نص المادة المذكورة أن المشرع أخضع إخلاء السبيل الوجوبي لثلاثة شروط متلازمة، أولها أن تكون الجريمة قد ارتُكبت قبل الأول من آذار من العام 2026، وثانيها أن تكون مدة توقيف المدعى عليه قد تجاوزت اثنتي عشرة سنة سجنية، وثالثها ألا يكون قد صدر أي حكم في القضية.
ولئن كان التحقق من توافر الشرطين الأول والثاني لا يثير، من حيث المبدأ، صعوبة تُذكر، باعتبار أن تاريخ ارتكاب الجريمة واقعة مادية يمكن التثبت منها، وأن مدة التوقيف يمكن احتسابها وفقًا للقواعد القانونية المتعلقة بالسنة السجنية، فإن الشرط الثالث، المتعلق بعدم صدور أي حكم في القضية، يستدعي التوقف عنده بصورة خاصة، نظرًا إلى ما يمكن أن يثيره من إشكاليات قانونية تتصل بمدى تأثير صدور حكم سابق جرى نقضه لاحقًا على حق المدعى عليه في الاستفادة من إخلاء السبيل الوجوبي.
أولا: في الغاية التي توخاها المشرع من إقرار إخلاء السبيل الوجوبي
إن العودة إلى الأسباب الموجبة لقانون العفو، تُظهر أن المشرع أراد، من خلال المادة الخامسة، معالجة إحدى الإشكاليات المزمنة التي يعاني منها مرفق العدالة الجزائية، والمتمثلة في بطء سير المحاكمات واستمرار توقيف بعض المدعى عليهم سنوات طويلة دون أن يصدر أي حكم يفصل في القضايا الملاحقين بها.
وقد انطلق المشرع في معالجته لهذه الإشكالية من مبدأ أساسي من مبادئ العدالة الجزائية، يتمثل في حق كل شخص في أن تجري محاكمته ضمن مهلة معقولة، وهو حق كرسته المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وفي مقدمها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي نص في المادة التاسعة، الفقرة الثالثة، على حق الشخص الموقوف في أن يُحاكم خلال مدة معقولة أو أن يُفرج عنه، كما نص في المادة الرابعة عشرة، الفقرة الثالثة، على حق المتهم في أن يُحاكم دون تأخير لا مبرر له.
ومن المعلوم أن التوقيف الاحتياطي ليس عقوبة بحد ذاته، وإنما هو تدبير استثنائي تبرره اعتبارات محددة تتصل بحسن سير العدالة ومقتضيات التحقيق والمحاكمة، ولا يجوز أن يتحول، بفعل إطالة أمد الإجراءات القضائية، إلى عقوبة فعلية تُنفذ بحق شخص لم يُفصل بعد في مسؤوليته الجزائية.
ومن هذا المنطلق، فإن المشرع، عندما نص على وجوب إخلاء سبيل المدعى عليه حكمًا إذا تجاوزت مدة توقيفه اثنتي عشرة سنة سجنية دون صدور أي حكم في قضيته، يكون قد اعتبر أن استمرار التوقيف طوال هذه المدة، دون التوصل إلى إصدار حكم، يشكّل تجاوزاً للحد الزمني الذي ارتأى اعتماده لتبرير الإخلاء الوجوبي.
ولا يعني ذلك أن مدة الاثنتي عشرة سنة السجنية تشكّل، بحد ذاتها، مهلة معقولة وفقًا للمعايير الدولية، إذ إن تقدير معقولية مدة المحاكمة يخضع، في الأصل، لاعتبارات متعددة تتصل بطبيعة القضية وتعقيداتها وسلوك أطرافها والسلطات القضائية المختصة. وإنما يعني أن المشرع وضع حدًا زمنيًا استثنائيًا، اعتبر أن تجاوزه من دون صدور حكم يجعل استمرار التوقيف غير مقبول، بصرف النظر عن طبيعة الجريمة المرتكبة أو مدى توافر الأدلة بحق المدعى عليه.
وهنا تكمن الأهمية الأساسية للمادة الخامسة، ذلك أنها لم تجعل إخلاء السبيل الوجوبي مرتبطًا بتقدير المحكمة لمدى خطورة المدعى عليه، أو جسامة الجريمة المسندة إليه، أو احتمال فراره، أو غير ذلك من الاعتبارات التي تدخل عادةً في نطاق السلطة التقديرية للقاضي عند النظر في طلبات إخلاء السبيل. بل جعلت مجرد تجاوز مدة التوقيف المحددة قانونًا، من دون صدور حكم، سببًا مستقلا وكافيًا لوجوب إخلاء السبيل.
وبذلك يكون المشرع قد انتقل، في هذه الحالة الاستثنائية، من نظام إخلاء السبيل الجوازي إلى نظام إخلاء السبيل الوجوبي، بحيث لا يعود للقاضي أن يوازن بين الاعتبارات التي تبرر استمرار التوقيف وتلك التي تبرر إنهاءه، وإنما يصبح ملزمًا بإخلاء سبيل المدعى عليه متى تحققت الشروط القانونية.
ثانيًا: في دلالة اشتراط عدم صدور أي حكم في القضية
إن اشتراط عدم صدور أي حكم في القضية لا يمكن فصله عن الغاية التي توخاها المشرع من إقرار المادة الخامسة. فهذا الشرط ليس مجرد قيد شكلي أُضيف إلى النص، وإنما يشكّل العنصر الجوهري الذي يكشف عن إرادة المشرع والمبرر الذي يقوم عليه إخلاء السبيل الوجوبي. ذلك أن المشرع لم يربط الإخلاء الوجوبي بمجرد انقضاء اثنتي عشرة سنة سجنية على توقيف المدعى عليه، وإنما اشترط أن تكون هذه المدة قد انقضت من دون صدور أي حكم في القضية.
ومؤدى ذلك أن العبرة ليست بطول مدة التوقيف وحدها، وإنما باقتران هذه المدة بعدم توصل المحكمة إلى إصدار حكم يفصل في القضية المعروضة أمامها. فإذا صدر حكم في القضية قبل اكتمال المدة المحددة قانونًا، فإن صدوره يحول، من حيث المبدأ، دون الاستناد إلى المادة الخامسة للمطالبة بإخلاء السبيل الوجوبي ولو تجاوز مجموع مدة التوقيف لاحقًا اثنتي عشرة سنة سجنية.
ولا يغير من ذلك أن يكون الحكم قد صدر عن محكمة الدرجة الأولى، أو أن يكون قابلا للطعن، لأن النص تحدث عن صدور أي حكم، ولم يشترط أن يكون الحكم مبرمًا أو غير قابل لأي طريق من طرق المراجعة. وعليه، فإذا أُوقف شخص في قضية جزائية، وصدر حكم بحقه بعد مرور عشر سنوات سجنية على توقيفه، ثم استمر توقيفه سنتين أو أكثر أثناء النظر في الطعن المقدم ضد الحكم، فإن مجرد تجاوز مجموع مدة توقيفه اثنتي عشرة سنة سجنية لا يكفي، لفرض إخلاء سبيله بقوة القانون، طالما أن حكماً كان قد صدر في القضية قبل اكتمال هذه المدة. ذلك أن المشرع جعل صدور الحكم قبل انقضاء المدة المحددة قانوناً سبباً يحول دون تحقق الشرط المتعلق بعدم صدور الحكم.
غير أن هذه القاعدة تثير إشكالية مختلفة تمامًا عندما يُنقض الحكم السابق، وتُباشر محاكمة جديدة، ويستمر المدعى عليه موقوفاً طوال مدة تتجاوز، بذاتها، اثنتي عشرة سنة سجنية من دون صدور حكم جديد.
ثالثًا: في الحالة الخاصة المتمثلة بنقض الحكم وبدء محاكمة جديدة تستمر أكثر من اثنتي عشرة سنة سجنية دون صدور حكم
إن الفرضية التي تستدعي البحث لا تتعلق بشخص صدر حكم بحقه قبل اكتمال اثنتي عشرة سنة سجنية، ثم تجاوز مجموع مدة توقيفه هذه المدة أثناء النظر في الطعن المقدم ضد الحكم. فهذه الحالة، كما تقدم، لا تكفي بذاتها لتبرير تطبيق المادة الخامسة. وإنما تتعلق بفرضية مختلفة، تتمثل في صدور حكم في القضية قبل اكتمال مدة الاثنتي عشرة سنة السجنية، ثم نقض هذا الحكم، ومباشرة محاكمة جديدة، واستمرار توقيف المدعى عليه منذ نقض الحكم وبدء المحاكمة الجديدة مدة تتجاوز، بذاتها، اثنتي عشرة سنة سجنية، من دون أن يصدر أي حكم في هذه المحاكمة.
فهل يكفي صدور الحكم الأول، الذي جرى نقضه، لاستبعاد تطبيق المادة الخامسة بصورة نهائية، مهما طالت مدة المحاكمة الجديدة، أم أن انقضاء اثنتي عشرة سنة سجنية خلال المحاكمة الجديدة، دون صدور حكم فيها، يعيد إعمال أحكام هذه المادة ويوجب إخلاء سبيل المدعى عليه حكمًا؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي التمييز بين الأثر الذي يرتبه صدور الحكم في المرحلة الأولى من المحاكمة، والأثر الذي يرتبه نقض هذا الحكم ومباشرة محاكمة جديدة. فصدور الحكم الأول قبل اكتمال اثنتي عشرة سنة سجنية يحول دون تطبيق المادة الخامسة بالاستناد إلى مدة التوقيف السابقة على صدوره، باعتبار أن شرط عدم صدور الحكم لم يكن متحققًا عند اكتمال تلك المدة. أما إذا نُقض هذا الحكم، وبوشرت محاكمة جديدة، فإننا نكون أمام مرحلة قضائية جديدة، يُعاد فيها النظر في القضية، ويُطلب من المحكمة إصدار حكم جديد يفصل في موضوعها. وإذا استمر المدعى عليه موقوفًا طوال هذه المحاكمة الجديدة مدة تتجاوز اثنتي عشرة سنة سجنية من دون أن يصدر حكم فيها، فإن الحالة التي أراد المشرع معالجتها تكون قد تحققت مجددًا، وبصورة مستقلة عن المرحلة السابقة.
فالمشرع، عندما اعتبر أن انقضاء اثنتي عشرة سنة سجنية من دون صدور حكم يوجب إخلاء السبيل، لم يكن يستهدف مجرد إلزام المحكمة بإصدار حكم في مرحلة معينة من مراحل التقاضي، وإنما كان يستهدف منع استمرار توقيف شخص طوال مدة مفرطة من دون أن تتوصل الجهة القضائية الناظرة في قضيته إلى إصدار حكم يفصل في موضوع المحاكمة القائمة أمامها.
ومن ثم، فإن صدور حكم سابق جرى نقضه لا ينبغي، وفق التفسير العلمي والمنطقي للمادة الخامسة، أن يتحول إلى سبب دائم يبرر استمرار توقيف المدعى عليه، مهما طالت المحاكمة الجديدة، وإلا أصبح بالإمكان إبقاء شخص موقوفًا عشرين أو ثلاثين سنة، أو أكثر، من دون صدور حكم في المحاكمة التي تجري بعد النقض، لمجرد أن حكمًا كان قد صدر في مرحلة سابقة وأُلغي لاحقًا، وهي نتيجة تتعارض مع الاعتبارات التي حدت بالمشرع إلى إقرار إخلاء السبيل الوجوبي، لأنها تجعل صدور حكم سابق، زالت آثاره بفعل النقض الحاصل، كافيًا لتعطيل الضمانة القانونية التي أراد المشرع توفيرها في مواجهة إطالة أمد المحاكمات.
ولا يستقيم، من الناحية المنطقية، أن يُلزم المشرع المحكمة بإخلاء سبيل شخص لم يصدر بحقه حكم طوال اثنتي عشرة سنة سجنية، ثم يُجيز استمرار توقيف شخص آخر طوال المدة نفسها في محاكمة جديدة من دون صدور حكم، لمجرد أن حكمًا سابقًا كان قد صدر بحقه قبل أن يُنقض. ففي الحالتين تكون العلة واحدة، وهي استمرار توقيف المدعى عليه طوال مدة تجاوزت الحد الذي اعتمده المشرع دون صدور حكم في المحاكمة القائمة. ووحدة العلة تقتضي، من حيث المبدأ، وحدة المعالجة القانونية.
رابعًا: في أثر نقض الحكم على احتساب المدة المنصوص عليها في المادة الخامسة
إن النقطة الجوهرية في هذه المسألة تتمثل في تحديد الأثر القانوني لنقض الحكم السابق على احتساب مدة التوقيف التي يُعتد بها لتطبيق المادة الخامسة. فالحكم الذي يصدر قبل اكتمال اثنتي عشرة سنة سجنية يقطع المدة التي يمكن الاستناد إليها للمطالبة بإخلاء السبيل الحكمي بسبب عدم صدور حكم.
غير أن هذا الأثر ينبغي أن يبقى محصورًا بالمرحلة القضائية التي صدر فيها الحكم، ولا يجوز أن يمتد بصورة مطلقة إلى محاكمة جديدة تُباشر بعد نقضه. ذلك أن النقض، متى أدى إلى إعادة المحاكمة في الموضوع، يفتح مرحلة قضائية جديدة يُعاد فيها طرح النزاع أمام المحكمة المختصة، ويصبح مطلوبًا منها إصدار حكم جديد.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن المدة التي يُعتد بها لتطبيق المادة الخامسة في المحاكمة الجديدة تبدأ من تاريخ نقض الحكم ومباشرة المرحلة القضائية الجديدة، بحيث يُنظر في ما إذا كان المدعى عليه قد بقي موقوفًا منذ ذلك التاريخ مدة تتجاوز اثنتي عشرة سنة سجنية من دون صدور حكم جديد.
ولا يعني ذلك أن النقض يؤدي إلى محو واقعة صدور الحكم السابق من التاريخ القضائي للقضية، وإنما يعني أن الأثر الذي رتبه المشرع على صدور الحكم، لجهة عدم توافر شرط إخلاء السبيل الحكمي في المرحلة السابقة، لا يجوز أن يتحول إلى مانع أبدي يحول دون الاستفادة من هذه الضمانة في مرحلة قضائية لاحقة تستجمع، بذاتها، جميع الاعتبارات التي بررت إقرارها. والقول بخلاف ذلك يؤدي إلى نتيجة غير منطقية، مفادها أن المدعى عليه الذي لم يصدر بحقه أي حكم خلال اثنتي عشرة سنة سجنية يستفيد من إخلاء السبيل الحكمي، في حين أن المدعى عليه الذي صدر بحقه حكم بعد عشر سنوات سجنية، ثم نُقض هذا الحكم، واستمرت محاكمته الجديدة اثنتي عشرة سنة سجنية إضافية دون صدور حكم، يُحرم من الاستفادة من هذه الضمانة.
وبذلك يصبح صدور حكم سابق جرى نقضه سببًا لتجريد المدعى عليه من الحماية القانونية التي قررها المشرع، رغم أن مدة المحاكمة الجديدة وحدها قد تجاوزت الحد الزمني الذي اعتبره المشرع موجبًا لإنهاء التوقيف.
وهذا التمييز لا ينسجم مع الغاية التي توخاها المشرع، لأن التأخير في إصدار الحكم خلال المحاكمة الجديدة لا يقل خطورة، من حيث انعكاساته على الحرية الشخصية وحقوق الدفاع، عن التأخير في إصداره خلال المحاكمة الأولى. بل إن استمرار التوقيف خلال محاكمة جديدة، بعد سنوات طويلة من الإجراءات القضائية السابقة، يجعل الحاجة إلى هذه الضمانة أكثر إلحاحًا، نظرًا إلى المدة الإجمالية التي يكون المدعى عليه قد أمضاها موقوفًا دون الوصول إلى حكم نهائي يفصل في مسؤوليته الجزائية.
خامسًا: في وجوب تفسير المادة الخامسة بما ينسجم مع المبادئ العامة لحقوق الإنسان
إن التفسير المتقدم يجد سنده أيضًا في المبادئ العامة التي ترعى الحرية الشخصية والتوقيف الاحتياطي وحق المتهم في المحاكمة ضمن مهلة معقولة. فالمادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تقرر أن الأصل هو عدم جعل احتجاز الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة قاعدة عامة، وتنص أيضًا على وجوب محاكمتهم ضمن مهلة معقولة أو الإفراج عنهم، كما أن المادة الرابعة عشرة من العهد نفسه تكرس حق المتهم في أن يُحاكم دون تأخير لا مبرر له. ومن ثم، فإن النصوص الوطنية التي ترمي إلى حماية هذه الحقوق ينبغي أن تُفسَّر، عند احتمالها أكثر من معنى، بما ينسجم مع الغاية الحمائية التي وُضعت من أجل تحقيقها. ولا شك في أن المادة الخامسة من قانون العفو تندرج في هذا الإطار، باعتبار أنها جاءت لتضع حداً لاستمرار توقيف الأشخاص الذين طال أمد محاكمتهم دون صدور حكم.
وعليه، فإن تفسير عبارة "التي لم يصدر فيها أي حكم" ينبغي ألا ينفصل عن مفهوم المحاكمة التي يُعتد بمدتها لتطبيق النص. فإذا كانت المحاكمة الأولى قد انتهت بصدور حكم قبل اكتمال المدة المحددة قانونًا، فإن شرط عدم صدور الحكم لا يكون متحققًا بالنسبة إلى تلك المرحلة. أما إذا نُقض الحكم وبوشرت محاكمة جديدة، واستمر توقيف المدعى عليه طوال اثنتي عشرة سنة سجنية إضافية دون صدور حكم فيها، فإن موجب الحماية الذي أقره المشرع يكون قد نشأ مجددًا.
وليس في هذا التفسير إهدار لشرط عدم صدور الحكم، بل على العكس، إنه يمنح هذا الشرط مضمونه الحقيقي، باعتباره مؤشرًا على تجاوز المحاكمة المدة التي ارتأى المشرع أنها تستوجب إنهاء التوقيف. كما أنه لا يؤدي إلى توسيع نطاق إخلاء السبيل الحكمي بصورة مطلقة، لأن الاستفادة منه تبقى مشروطة بانقضاء مدة جديدة ومستقلة تتجاوز اثنتي عشرة سنة سجنية بعد نقض الحكم، من دون صدور حكم في المحاكمة الجديدة. وبذلك يبقى تطبيق المادة الخامسة محصورًا بالحالات الاستثنائية التي تتوافر فيها العلة التي أوجبت إقرارها.
سادسًا: في النتائج القانونية المترتبة على توافر شروط إخلاء السبيل الحكمي
إن النتيجة التي يفضي إليها التفسير المتقدم هي أن المدعى عليه الذي نُقض الحكم الصادر بحقه، وبوشرت محاكمة جديدة في قضيته، واستمر موقوفًا خلالها مدة تتجاوز اثنتي عشرة سنة سجنية دون صدور حكم جديد، يكون قد استجمع الشروط التي تبرر تطبيق المادة الخامسة من قانون العفو. فالجريمة تكون قد ارتُكبت قبل التاريخ المحدد في القانون، ومدة التوقيف خلال المحاكمة الجديدة تكون قد تجاوزت الحد الزمني المنصوص عليه، ولم يصدر أي حكم خلال هذه المرحلة القضائية. وفي هذه الحالة، فإن جميع الاعتبارات التي حدت بالمشرع إلى إقرار إخلاء السبيل الوجوبي تكون متوافرة، سواء لجهة طول مدة المحاكمة، أو لجهة استمرار التوقيف الاحتياطي من دون صدور حكم، أو لجهة وجوب احترام حق المدعى عليه في أن يُفصل في قضيته ضمن مهلة معقولة.
ويترتب على ذلك، أن إخلاء السبيل لا يعود مجرد تدبير جوازي متروك لتقدير المحكمة، وإنما يصبح موجبًا قانونيًا يتعين عليها التقيد به. ولا يجوز للمحكمة، عندئذ، أن تستند إلى خطورة الجريمة أو جسامة العقوبة المحتملة أو غير ذلك من الاعتبارات التي تحكم عادةً طلبات إخلاء السبيل، لأن المشرع يكون قد حسم بنفسه مسألة الموازنة بين هذه الاعتبارات وبين مقتضيات حماية الحرية الشخصية، وقرر تغليب الأخيرة عند تجاوز مدة التوقيف الحد المحدد قانونًا من دون صدور حكم.
كما أن إخلاء السبيل في هذه الحالة لا يعني إنهاء المحاكمة أو إسقاط الدعوى العامة أو إعفاء المدعى عليه من المسؤولية الجزائية، وإنما يقتصر أثره على إنهاء توقيفه، مع استمرار محاكمته وفقًا للأصول القانونية، عملا بما نصت عليه المادة الخامسة صراحةً.
ومن هنا، فإن المحكمة التي يثبت لديها توافر شروط الإخلاء الحكمي، تكون ملزمة بإخلاء سبيل المدعى عليه، ولا تملك سلطة تقديرية في رفض ذلك. ويكون امتناعها عن تطبيق النص، بعد التثبت من انطباقه على الحالة المعروضة، مخالفةً للموجب القانوني الذي فرضه المشرع في قانون العفو، وللأحكام الواردة في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وللأحكام القانونية المتعلقة بالنظام العام، مع ما يترتب على ذلك من مسوؤلية قد تكون جزائية في هذه الحالة.
خلاصة القول:
كل محاكمة تستمر مدة تتجاوز اثنتي عشرة سنة سجنية من دون أن يصدر فيها حكم نهائي، تكون مشمولة بأحكام إخلاء السبيل الوجوبي المنصوص عليها في المادة الخامسة من قانون العفو العام رقم 70/2026، سواء أكانت جارية أمام محكمة الدرجة الأولى أم أمام محكمة من درجة أعلى، وذلك عملا بمبدأ استقلالية كل مرحلة من مراحل المحاكمة الجزائية، ووحدة الاعتبارات والأسباب التي حملت المشرّع على إقرار نظام إخلاء السبيل الوجوبي، والتي تقتضي تفعيل هذا النظام وإعمال أحكامه كلما استمر توقيف المتهم مدة تتجاوز اثنتي عشرة سنة سجنية في مرحلة واحدة من مراحل المحاكمة من دون أن يصدر بحقه حكم نهائي. ولا يحول دون ذلك صدور أحكام في مراحل سابقة من الدعوى، ما دامت المرحلة الجديدة تستجمع بذاتها جميع الشروط اللازمة لتطبيق أحكام المادة الخامسة من قانون العفو العام، بصورة مستقلة عما سبق أن تحقق في المراحل السابقة، ودون حاجة إلى الاستناد إليها أو الاستعانة بها لاستكمال أي من تلك الشروط.