تتّسع المواجهة الروسية - الأوروبية في اتجاهات تنذر بمرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، حيث تمتزج العمليات الأمنية بالهجمات السيبرانية والتخريب المنظّم، في حرب استنزاف لا تُعلن فيها الجبهات ولا تُكشف بالضرورة هوية الفاعلين. وبينما تتعثّر محاولات موسكو تحقيق اختراقات حاسمة في أوكرانيا، تتزايد الشبهات حول سعيها إلى نقل المواجهة إلى العمق الأوروبي، لزعزعة استقرار الدول الداعمة لكييف واستنزاف مواردها وتقويض إرادتها السياسية.
فموجة الإنذارات الكاذبة بوجود قنابل، التي أربكت أخيرًا عشرات الرحلات الجوية الأوروبية واستدعت تدخّل مقاتلات حربية، امتدّت إلى محطات تلفزيونية في إيرلندا وبريطانيا وبلغاريا، وأدّت إلى إخلاء مقرات وتعليق البث. وتأتي هذه التهديدات في سياق اضطرابات أمنية شملت أيضًا هجمات سيبرانية عطّلت أنظمة التبريد في متاجر كبرى بدول أوروبية عدة وطاولت منشآت لحفظ الدم في فرنسا. ورغم عدم ثبوت مسؤولية روسيا عن هذه العمليات، فإن تعدّد أشكالها واتّساع نطاقها الجغرافي يثيران مخاوف من تصعيد هجين يحوّل المرافق المدنية الأوروبية إلى ساحات اشتباك.
وتكمن فاعلية هذه الحروب في إحداث اضطرابات واسعة بأدوات محدودة، وإبقاء الدول المستهدفة في حال استنفار دائم. فالتهديد الوهمي يستدعي استجابة أمنية حقيقية، والاختراق الرقمي يعطّل خدمات حيوية، والغموض المحيط بالمنفّذين يصعّب الردع والمحاسبة. والأخطر أن تراكم هذه العمليات قد يبدّد الشعور بالأمان، ويقوّض الثقة بالمؤسسات، ويحوّل الخوف إلى عامل ضغط سياسي واجتماعي. وفي الحسابات الروسية، تشكّل أوروبا العمق الاستراتيجي لأوكرانيا ومصدرًا أساسيًا لصمودها. لذا، فإن إرباك اقتصاداتها وإثارة الانقسامات داخل مجتمعاتها قد يخدمان هدفًا يتعذّر تحقيقه بالقوة العسكرية.
وتتعدّد أدوات التصعيد غير التقليدي الذي تُتّهم موسكو بانتهاجه، لتشمل التخريب والتجسّس والتشويش الإلكتروني واختراق الأجواء بالمسيّرات والتضليل الإعلامي. وقد رصد مشروع "ACLED" اتّساع الأنشطة المشبوهة، خصوصًا على الجناح الشرقي لحلف "الناتو"، في ما يشير إلى استراتيجية لاختبار دفاعات الخصوم والتصعيد التدريجي دون بلوغ عتبة تستوجب ردًا عسكريًا.
ويكتسب هذا المنحى دلالة أعمق مع تعثّر التقدّم الروسي على الجبهات، واستمرار المعارك دون اختراقات حاسمة، مقابل هجمات مضادة أوكرانية. وفيما تستهدف روسيا البنية التحتية للطاقة الأوكرانية، تكثّف كييف ضرباتها للمصافي والمنشآت النفطية الروسية لإنهاك اقتصاد الحرب ورفع كلفة العدوان. ووسط هذه المواجهة، تحمل مفاوضات أبوظبي الروسية - الأوكرانية، المقرّرة الأسبوع المقبل برعاية أميركية، أبعادًا تتجاوز وقف القتال. فخسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسَي الكونغرس تعقّد وضع الرئيس دونالد ترامب في النصف الثاني من ولايته، وتضاعف حاجته إلى إنجاز خارجي كبير يعوّض انتكاسته الداخلية ويتيح له تقديم نفسه صانعًا للسلام.
وتتداخل هذه الحسابات مع ضغوط أسعار الطاقة، بعدما دفع ارتفاع أسعار الوقود إدارة ترامب إلى الانفتاح على إمدادات الديزل الروسية. وقد يخدم تفاهم يزيد المعروض النفطي مساعيه لاحتواء الضغوط المعيشية، رغم الشكوك في قدرة التعاون مع موسكو على خفض الأسعار. وهنا تبرز الخشية من تحوّل المصالح الاقتصادية إلى حافز لتقديم تنازلات للكرملين، خصوصًا بعد حديث ترامب عن اتفاق يشمل "أوروبا بأكملها"، بما يوحي بتسوية تتجاوز أوكرانيا نحو إعادة ترتيب الأمن الأوروبي.
في المقابل، تتصاعد الهواجس الأوروبية من إعادة رسم النظام الأمني للقارة بمعزل عن إرادتها، فيما تسعى موسكو إلى تكريس نفوذها في ما تعتبره حديقتها الخلفية. وقد أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن الرئيس فلاديمير بوتين لا يملك حق النقض في أمن أوروبا، مطالبة بدمج أوكرانيا كاملًا في منظومتها الأمنية. وتتفاقم المعضلة مع تشتّت المواقف داخل الاتحاد الأوروبي، ما دفع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى المطالبة بتوحيد تمثيله التفاوضي. وقد تمنح الغالبية الديموقراطية الجديدة في الكونغرس الأميركي الأوروبيين هامشًا أوسع لمقاومة اتفاق يضعف أوكرانيا، رغم احتفاظ ترامب بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية.
من هذا المنطلق، تتخطّى مفاوضات أبوظبي اختبار إسكات المدافع إلى تحديد مَن يرسم مستقبل الأمن الأوروبي. فإذا كانت موسكو تراهن على الاستنزاف لانتزاع مكاسب تعذّر تحقيقها عسكريًا، فإن التحدّي الغربي يكمن في منع مكافأة العدوان. فالسلام الذي يُشيَّد على حساب سيادة أوكرانيا لن يُنهي التهديد الروسي لأوروبا، بل سيمنحه شرعية جديدة وموعدًا مؤجّلًا للعودة.