تدخل المواجهة الأميركية - الإيرانية مرحلة مفصلية تتداخل فيها التهديدات العسكرية مع المساعي الدبلوماسية. فبينما يلوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستئناف العمليات العسكرية الكبرى، يسعى النظام الإيراني إلى توظيف اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وأذرعه الإقليمية لتحسين شروط التفاوض وتجنّب هزيمة استراتيجية، من دون التخلّي عن أدوات الضغط التي جعلت منه مصدرًا لزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط.
اكتسب الحراك الدبلوماسي زخمًا مع إعلان ترامب، أمس، أن إدارته تجري محادثات مع ممثلين عن إيران، قائلًا: "نحقّق تقدّمًا جيدًا للغاية". وجاء تصريحه بعد اتصاله بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد، وسط مساعٍ قطرية لبلورة تفاهم أولي بين واشنطن وطهران، من دون أن يعني التفاؤل الأميركي اقتراب الاتفاق. ووفقًا للمعلومات المتداولة، تقوم المبادرة القطرية على خطوات متبادلة لبناء الثقة، تشمل أولًا رفع الحصار البحري الأميركي والإفراج عن بعض الأموال الإيرانية المجمّدة، مقابل دعوة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفتيش المنشآت النووية المتضرّرة. وتليها إعادة فتح هرمز واستئناف المفاوضات بشأن اليورانيوم العالي التخصيب.
وتكمن أهمية المبادرة في فصل خفض التصعيد عن الخلافات النووية الأعمق، لكنها تنطوي على خطر منح طهران مكاسب اقتصادية مقابل التزامات إجرائية لا تعالج جوهر الأزمة. فعودة المفتشين لا تعادل التخلّص من اليورانيوم المخصّب، وإعادة فتح هرمز لا تضمن عدم إغلاقه مجددًا. لذلك، يتوقّف نجاح الوساطة على التزامات قابلة للتحقّق، لا هدنة تتيح إعادة ترتيب أوراق المواجهة. وبالتوازي مع التفاوض، تواصل واشنطن الضغط الاقتصادي، إذ فرضت الخزانة الأميركية عقوبات مرتبطة بإيران على ثمانية كيانات مقرّها كندا.
وتزداد صعوبة المساومة بفعل حسابات ترامب، الخارج من انتكاسة انتخابية أفقدت الجمهوريين السيطرة على مجلسَي الكونغرس. فإنه يقف أمام خيارين محفوفين بالمخاطر: استئناف الضربات لتقويض القدرات الإيرانية وإضعاف موقف طهران التفاوضي، أو إبرام تسوية تمنحه إنجازًا خارجيًا وتخفّف ضغوط أسعار الطاقة، فيما يعتزم نواب ديموقراطيون منتخبون إلى تقييد تمويل الحرب في الكونغرس الجديد.
ورغم تقديرات نقلتها "نيويورك تايمز" عن ميل ترامب إلى التفاوض، فإن خطابه لا يزال تصعيديًا، إذ اعتبر أن إسرائيل والشرق الأوسط بأكمله "لما كانا موجودين اليوم" لولا تدخّله لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. ويعكس التصريح حرصه على تكريس الضربات إنجازًا تاريخيًا، ما يصعّب قبوله بتسوية تبدو تراجعًا. وفي المقابل، قد يُضعف استعجاله الاتفاق موقعه التفاوضي، فيما تبقى الحشود العسكرية الأميركية أداة ضغط واستعدادًا لاستئناف الحرب.
وتواصل طهران استخدام هرمز ورقة مساومة تؤثّر في أسواق الطاقة العالمية. وتمتدّ المخاوف إلى البنية الرقمية الخليجية، بعدما كشفت "فايننشال تايمز"، استنادًا إلى بيانات "ويندوارد"، عن تحركات غير مألوفة لسفن مرتبطة بإيران قرب كابلات الاتصالات البحرية في بحر عُمان، شملت تغيير المسارات وإطفاء أنظمة التتبّع. ورغم عدم ثبوت أعمال تخريبية، فإنها تثير مخاوف من اتّساع التهديد إلى شبكات الاتصالات.
وتترافق هذه الضغوط مع تشدّد تفاوضي إيراني. فقد نقلت "وول ستريت جورنال" أن طهران لم تقدّم تنازلات نووية ملموسة، فيما يتمسّك أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي بشروط مسبقة تعجيزية. وتندرج زيارته إلى موسكو والتقارير عن مساعٍ للحصول على منظومات الدفاع الجوي الروسية "أس 400" ضمن محاولات ترميم القدرات العسكرية وتعزيز أوراق التفاوض.
من جهة أخرى، يتواصل التصعيد بين السعودية والحوثيين المدعومين من إيران، مع استمرار الهجمات على المملكة، في وقت تستكمل فيه الرياض تعزيز تحالفاتها الإقليمية. وتكتسب مصادقة البرلمان التركي أمس على اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع السعودية وباكستان أهمية خاصة، بالتوازي مع التقارب السعودي – السوري، إذ كشفت "رويترز" أن دمشق تقدّم للرياض مشورة وتدريبًا عسكريَّين، وسط معلومات عن إرسال عدد محدود من العسكريين السوريين إلى المملكة.