تقف إسرائيل عند مفترق سياسي يتجاوز الصراع على رئاسة الحكومة إلى اختبار قدرتها على طيّ مرحلة الحروب المتواصلة والانقسامات الداخلية العميقة. فالانتخابات التشريعية الأخيرة التي عجزت عن إفراز غالبية حاسمة وضعت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام احتمال مغادرة السلطة، ودفعت رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب "يشار" المعارض غادي آيزنكوت إلى صدارة المشاورات الهادفة إلى تكليف رئيس للحكومة، فيما تتعرّض العلاقة مع الولايات المتحدة لاهتزاز غير مسبوق، بعدما أفقدت الانتخابات النصفية الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيطرة الجمهوريين على مجلسَي الكونغرس، وكشفت تصدّع التوافق الأميركي التقليدي حول دعم إسرائيل.
وتتجه الأنظار إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الذي يُنتظر أن يكلّف غدًا آيزنكوت، على الأرجح، بتشكيل الحكومة، بعدما حصد توصيات 67 نائبًا مقابل 46 لنتنياهو. وقد أعرب آيزنكوت عن توقّعه الحصول على التكليف، مشيرًا إلى تقدّم ملموس في مشاورات تأليف "حكومة طوارئ وطنية". غير أن هذا التفاؤل لا يحجب صعوبة المهمة، فالتفوّق في التوصيات لا يُترجم بالضرورة إلى حكومة غالبية، إذ تشمل الأصوات المؤيّدة لآيزنكوت الأحزاب العربية التي يرفض بعض حلفائه مشاركتها في الحكم. وهكذا، قد يكون التكليف بداية معركة سياسية شاقة، لا تتويجًا لانتصار محسوم.
وتبرز الأحزاب اليهودية المتشدّدة دينيًا بوصفها بيضة القبّان في هذه المعركة، خصوصًا بعد امتناع حزب "يهدوت هتوراه" عن تزكية نتنياهو. وقد فتح تراجع زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الدفاع الأسبق أفيغدور ليبرمان عن رفضه التحالف مع الأحزاب الحريدية نافذة تفاوضية جديدة، رغم تمسّكه بمبدأ الخدمة الإلزامية. في المقابل، يطرح آيزنكوت صيغة تجمع بين الخدمة العسكرية والمدنية، سعيًا إلى تسوية تستقطب الحريديم من دون استعداء القوى العلمانية.
غير أن تفكيك عقدة التجنيد لا يضمن تجاوز بقية العقبات. فرفض ليبرمان التعاون مع الأحزاب العربية يضيّق خيارات آيزنكوت، فيما قد تثير التنازلات للحريديم اعتراض شركائه الذين خاضوا الانتخابات تحت شعار إنهاء الإعفاء من الخدمة العسكرية. ويبرز احتمال تشكيل حكومة أقلية تستند إلى دعم برلماني من خارجها، لكنّ هشاشتها قد تجعلها عرضة للاهتزاز عند أول اختبار.
ويكتسب هذا المخاض الداخلي أهمية مضاعفة مع اهتزاز المظلّة الأميركية التي شكّلت لعقود ركيزة التفوّق الاستراتيجي الإسرائيلي. فحرب غزة والمواجهة مع إيران وسياسات الاستيطان وسّعت دائرة الانتقادات لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، ولم تعد التحفّظات مقتصرة على الديموقراطيين، بل امتدّت إلى أوساط جمهورية تعترض على كلفة الانخراط في الحروب الإقليمية.
وجاء إعلان ترامب عزمه وقف المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل، البالغة 3.8 مليارات دولار، بنهاية العام ليكشف عمق التحوّل. ورغم التعقيدات القانونية والسياسية التي تعترض تنفيذ الخطوة، فإن دلالتها تتجاوز قيمتها المالية إلى اهتزاز مسلّمة الدعم الأميركي غير المشروط، حتى داخل المعسكر الجمهوري.
وهنا تتكشّف كلفة رهان نتنياهو على ترامب والجمهوريين، بعدما أسهم انحيازه الحزبي في إضعاف الجسور مع الديموقراطيين. غير أن الأزمة لم تعد محصورة بشخص نتنياهو، بل طاولت صورة إسرائيل نفسها لدى قطاعات من الرأي العام الأميركي، ما يجعل ترميم العلاقة أعقد من مجرّد تغيير القيادة.
ويدرك آيزنكوت أن استعادة التوافق الأميركي حول إسرائيل تستلزم أكثر من تبديل الوجوه وتليين الخطاب، لذلك يقدّم نفسه قادرًا على إعادة بناء جسور التواصل مع الحزبين الأميركيين والانفتاح على تفاهمات إقليمية. لكنّ نجاحه سيبقى مرهونًا بمدى استعداده لاعتماد سياسات مختلفة تجاه الفلسطينيين والاستيطان وإدارة المواجهات الإقليمية.
وعليه، فإن التكليف المرتقب قد يفتح الباب أمام نهاية مرحلة نتنياهو، لكنه لن يعيد تلقائيًا التحالف الأميركي - الإسرائيلي إلى سابق عهده. فإسرائيل تواجه تحوّلًا أعمق من تبدّل الحكومات: الانتقال من الاطمئنان إلى مظلّة أميركية شبه مطلقة، إلى واقع لم يعد فيه الدعم الأميركي خارج حسابات السياسة الداخلية وتقلّبات المصالح الاستراتيجية في واشنطن.