روجيه نهرا

السفير البابوي في لبنان يزور دير ميماس ويلتقي أبناءها: السلام والأمان أولوية للمنطقة

9 دقائق للقراءة

استهلّ السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا زيارته إلى منطقة مرجعيون، بزيارة بلدة دير ميماس، حيث كان في استقباله حشد من أبناء البلدة في كنيسة سيدة الانتقال، بمشاركة رئيسة البلدية تانيا برنابا، ومختار البلدة نقولا سليمان، والآباء جوزيف سليمان، خادم رعية الروم الملكيين الكاثوليك، وسليم أسعد، خادم رعية الروم الأرثوذكس، وتوفيق أبو مرعي، خادم رعية اللاتين، إلى جانب عدد من الفعاليات الاجتماعية.

والتقى السفير البابوي أبناء البلدة، مستمعاً إلى شؤونهم وهواجسهم في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة، ومشدداً على أهمية إحلال السلام والأمان في الجنوب.

وخلال اللقاء، شكرت رئيسة البلدية السفير البابوي على زيارته المتجددة إلى دير ميماس، وقالت: «إن عودتكم إلينا مرة جديدة تعني لنا الكثير، فوجودكم بيننا يشكّل مصدر دعم واهتمام لأبناء البلدة. ونأمل أن تبقى دير ميماس حاضرة دائماً في قلبكم وفي رسالتكم، وأن يظل صوتكم حاملاً لقضايا أهلنا وهواجسهم أمام كل من يستطيع الإصغاء إليهم ومساندتهم.

بعدها انتقل السفير الى بلدة القليعة حيث استقبله الاهالي بإكليل الغار والزغاريد والحمام رمزًا للسلام. حيث حظي باستقبال شعبي حاشد أمام كنيسة مار جرجس.

وكان في استقباله كاهن الرعية الخوري أنطونيوس فرح عيد، والآباء غسان نصر وفيليب العقلة ويوسف باسيل وجوزيف سليمان، ورئيس البلدية حنا ظاهر وأعضاء من المجلس البلدي، إلى جانب الأخويات والجماعات الكنسية وحشد كبير من الأهالي.

ولدى ترجّله من السيارة، أُلبس السفير البابوي إكليلًا من ورق الغار، وسط الزغاريد وتصفيق الحاضرين، فيما أُطلق الحمام تعبيرًا عن التوق إلى السلام.

وقدّم أطفال الرعية للسفير البابوي زيت الزيتون والخبز ليتذوّقهما، في لفتة ترحيبية تحمل رمزية الزيتون المرتبط بالسلام، وتعبّر عن هوية القليعة وتعلّق أبنائها بأرضهم، إذ تُعدّ أشجار الزيتون من أبرز معالم البلدة التي تشتهر بإنتاج زيته.

وترأس السفير قداسا في كنيسة القديس جاورجيوس المارونية في البلدية بمشاركة حشد ابناء البلدة والقرى المجاورة. عاونه خادم الرعية الخوري انطونيوس فرح وعدد من الاباء الاجلاء. وبعد الانجيل المقدس القى السفير كلمة قال فيها:" أشكر الله على إتاحة الفرصة لي للعودة، مرة أخرى، إلى هذه المنطقة، لأعبّر لكم عن محبة الأب الأقدس واهتمامه بكم، وهو الذي يرسل إليكم تحياته الأبوية وبركته الرسولية.

إنها لفرحة عظيمة لي أن ألتقي بكم وأراكم لا تزالون أقوياء في الإيمان في مواجهة الصعوبات العديدة التي تفرضها هذه الفترة من الحرب؛ ثابتين في الأمل، الذي غالبًا ما يتجاوز كل أمل في مستقبل أفضل لكم ولأطفالكم، والذي تواصلون العمل من أجله بكل قوتكم؛ مليئين بالمحبة، التي توحّد مجتمعكم في المشاركة في أفراحكم وأحزانكم، مما يجعله قويًا حتى في مواجهة التحديات العديدة والكبيرة التي تفرضها عليكم الحياة اليومية.

ولا بدّ لي من القول إن إيمانكم وصمودكم هما مثال لنا جميعًا، وإن حبّكم لأرضكم، وكذلك تمسّككم بجذوركم المسيحية واللبنانية، أمران مثيران للإعجاب. هذا ما تشعر به قلوبنا في مواجهة الخطر والشكوك والوحدة؛ وهذا ما تشعرون به أنتم أيضًا اليوم وأنتم تعيشون هذه الظروف الصعبة التي تفرضها الحرب.

بعد القداس لنتقل الجميع الى القاعة العامة للبلدة حيث استمع السفير الى مطالب وحاجات الاهالي، وبالمناسبة القى رئيس بلدية القليعة حنا ضاهر كلمة قال فيها:" باسم بلدية القليعة وأهلها، نرحّب بكم اليوم بين أهلكم، ونعبّر عن عمق امتناننا لزيارتكم الكريمة ووقوفكم الدائم إلى جانب بلدتنا وأبنائها في هذه الظروف الصعبة. لقد كان لدعمكم ومبادراتكم الإنسانية ومختلف أشكال المساعدة التي قدّمتموها أثر كبير في نفوس أهلنا، ليس فقط بما حملته من عون وتضامن، بل بما جسّدته من محبة واهتمام وحرص على صمود الإنسان في أرضه. ونخصّ بالذكر مساعيكم التي ساهمت في تمكين أهلنا ومزارعينا من الوصول إلى أراضيهم والتمسّك بحقّهم في أرضهم ومصدر رزقهم. ونأمل متابعة المساعي للوصول الى جميع الأراضي التي لم نتمكن من الوصول اليها لغاية الآن.

واضاف :" إنّ وقفتكم إلى جانب القليعة ليست مجرّد مساعدة عابرة، بل موقف إنساني نبيل نعتزّ به ونحفظه في قلوبنا، ونشكركم عليه باسم كل عائلة وكل فرد لمس أثر هذه المبادرات. وإنّنا نتطلّع إلى استمرار وقوفكم إلى جانبنا ومساندتكم لبلدتنا، فصعوبة الأوضاع والتحديات التي نواجهها اليوم باتت أكبر من قدرتنا على تحمّلها بمفردنا.

فاحتياجات أهلنا لم تعد تقتصر على المساعدات الطارئة، بل أصبحت تشمل مختلف مقوّمات الحياة اليومية، من التدفئة وتأمين الاحتياجات الأساسية، إلى المساهمة في الأقساط المدرسية ودعم العائلات التي تكافح للحفاظ على تعليم أبنائها ومستقبلهم. ونخص حاجتنا لمساعدتكم في تصريف محصولنا الزراعي خاصةً زيت الزيتون.

إنّنا نحتاج اليوم إلى كل يد تمتدّ إلينا، وإلى كل مبادرة تساعدنا على تخفيف الأعباء عن أهلنا، وتعزيز قدرتهم على البقاء في أرضهم ومتابعة حياتهم بكرامة. ونأمل أن تبقوا إلى جانبنا في هذه المسيرة، وأن تتواصل جهودكم ومبادراتكم لتشمل مختلف جوانب الحياة، لأنّ دعمكم يمنح أهلنا ليس فقط المساعدة، بل أيضاً الأمل والقوة للاستمرار.

أما كاهن الرعيّة الخوري انطونيوس عيد فرح فقال نعبّر عن فرحتنا الكبيرة بزيارتكم الكريمة وبوُجودكم بين أبنائِكُم وعائلتِكم. إنّ زيارتكم اليوم تحمل لنا أكثر من معنى؛ فهي تعبير عن قرب الكنيسة من أبنائها، وعن اهتمام الكرسي الرسولي بهذه المنطقة التي تعيش منذ عام 2024 ظروفًا استثنائيّة وصعبة. فمنذُ اندلاع الحرب، لم تغب القليعة عن اهتمامكم. تابعتم أوضاعَنا، واكبتم معاناتِنا، وكنتم حاضرين إلى جانبِنا بمبادراتِكم ومواقفِكم... وحتّى خلالَ أسفارِكُم وتنقّلاتِكُم، لم ينقطع اهتمامَكم بالسؤالِ عنّا وبمتابعةِ أحوالِنا.

وإذ نعلَم أنّ كلّ ما قد نقوله لا يوفيكم، نودُّ أن نشكرَكُم، بكلّ تقديرٍ وامتنان، على ما بذلتموه من جهودٍ وما ساهمتُم في تأمينه، من مساعداتٍ إنسانيّة وإغاثيّة للعائلات، ودعمٍ للرعايا والبلدات، وتأمينٍ للاحتياجاتِ الأساسيّة، ومساندةٍ للمُبادرات الصحّيّة والإسعافيّة، ومتابعةٍ أمنيّة وحيويّة، بهدف الوقوف إلى جانب أهلِنا الصامدين في القليعة وسائر بلدات المنطقة.

إنّ هذه المبادرات لم تكن مجرّدَ مُساعدات مادّيّة، بل كانت بالنسبة إلينا علاماتَ تضامنٍ، ورسائلَ طمأنينة، وشهادةً حيّة بأنّ الكنيسةَ حاضرةٌ إلى جانبِ أبنائِها في الأوقاتِ الصعبة.

واضاف الخوري انطونيوس نريد اليوم، من خلالِ حضورِكم، أن نؤكّدَ حقيقةً نُؤمن بها ونتمسّكُ بمعانيها: إنّ وُجودَ القليعة وأبنائها في هذه المنطقة ليس صدفة، وليس مجرّدَ ارتباطٍ جغرافيّ بأرضٍ وبيوت. إنّه تاريخٌ وجذورٌ وهويّةٌ ورسالة. نحن أبناءُ هذه الأرض، ولسنا عابرينَ فيها، ومن حقِّنا أن نعيشَ فيها بكرامة وأمان وسلام.

لقد عهِدنا الحروبَ والمآسي منذُ تأسيسِ بلدتِنا، وبقينا فيها، ونحن اليوم نصرُّ على البقاء، لا عنادًا ولا تحدّيًا لأحد، بل إيمانًا بحقّنا في الحياة، وتمسّكًا بأرضنا ومسؤوليّتنا تجاهها وتجاه الأجيال القادمة. لذلك نَعَم، نحنُ "باقيين باقيين باقيين"!

نحن لا نحملُ سلاحًا، ولا نريد أن نحملَ سلاحًا. سلاحُنا الوحيد هو إيمانُنا بالله، وثقتنا بكنيسته، واتّكالُنا على شفيعنا مار جرجس. ومن هذا الإيمان نستمدُّ قوّتَنا وإرادتَنا، ونؤمن أنّ الدفاع عن الحياة والبقاء لا يكون إلّا بالتمسّك بالكرامة والحقّ والسلام.

نعم، لقد ضاقت بنا الدنيا، أمنيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا ونفسيًّا. لقد تعبنا من الانتظار، ومن التنهُّد، ومن تحمّلِ الأعباءِ والخسائرَ والمخاطر. لكنّنا، رغم كلّ شيء، لم نفقد الرجاء. لقد استحملنا الكثير، لا لأنّنا اعتدنا الألم، بل لأنّنا نؤمن بقيامة هذه المنطقة، وبمستقبل هذا الوطن، وبحقّ أبنائنا في حياة طبيعيّة وآمنة.

ومن هنا، نؤكّد أنّ مطلبنا ليس امتيازًا، بل حقّ: أن نعيش بأمان، وأن نعمل في أرضنا ونصرِّفَ منتوجاتِها، وأن نحمي عائلاتِنا، وأن نربّي أبناءَنا، دون أن يبقى شبحَ الحربِ حاضرًا في تفاصيل حياتِنا، بل أن يكونَ السلامُ حديثَنا الدائم.

وعزيزٌ على قلوبِنا حقُّنا في لقاءِ أبنائِنا الذين أُبعِدوا قسرًا عن أرضِهم وبيوتِهم وعائلاتِهم. إنّ غيابَهم جرحٌ مفتوح في قلب البلدة وفي قلب كلِّ عائلةٍ تنتظر لقاء أحبّائِها منذ نحو 26 سنة. وإنّنا على ثقةٍ بأنّ السلامَ الحقيقيّ هو الطريقُ الجذريّ الّذي يضعُ حدًّا لهذا الغياب، ويعيد العائلات إلى الاجتماع والعيش بكرامة.

وختم الخوري بالقول إنّنا نضعُ هذه الهواجس والآمال أمامَكم، واثقين بأنّ اهتمام الكنيسة بهذه المنطقة لن يتوقّف. إسعى لأجلِنا، يا أبينا العزيز، لكي نصلَ إلى الأمان والاستقرار، حاملًا صوتَ البلداتِ الصامدة، مُذكِّرًا بحقِّ أبنائها في العيش بسلام دائم.

وها نحن اليوم نرفع صلاتنا، بشفاعةِ أُمِّنا العذراء، على نيّتكم ونيّة رسالتكم ومسؤوليّاتكم التي تحملونها بقوّة الروح القدس. ونصلّي بصورة خاصّة على نيّة الأب الأقدس، البابا لاوُن الرابع عشر، ولا سيّما بعد خضوعه للعملية الجراحيّة، سائلين الربّ أن يمنحه الشفاءَ الكامل والصحّة والقوّة، ليواصل رسالته في قيادة الكنيسة وخدمة الإنسان ونشر السلام في العالم. هو الذي حملَ إلينا بُشرى السلام في زيارته إلى وطنِنا لُبنان التي رَفَعَتْ آيةَ الإنجيل "طوبى لفاعلي السلام" شعارًا لها.

وإنّ القليعة، على رغم كلّ ما مرّت به، ستستمرّ على الإيمانِ بالحياة، والتمسُّكِ بالأرض، ونشر الانفتاح، على رجاء السلام.

وقبل ختام الزيارة سلمت بلدية القليعة درعا تكريما للسفير وكذلك صورة للقديس جاورجيوس بريشة الدكتورة جورجينا نعمة الله وكتاب شكر من الاعلامية الين سمعان وقبل المغادرة اقامت رعية القليعة عشاء قرويا للسفير تقديرا لزيارته ومحبته للمنطقة وابنائها.