على وقع التحرّكات الإحتجاجية في مختلف المناطق اللبنانية، تحرّك أهالي بعلبك ـ الهرمل، وبدأوا بقطع الطرقات، إحتجاجاً على الأوضاع المعيشية التي يرزحون تحتها. وكان سعر العشرة آلاف ليرة والتي سجّلت مقابل الدولار الواحد، السهم الذي حمل في رأسه شهب الحماسة لتعود الناس إلى الطرقات وتعبّر عن صرختها بوجه السلطة التي أمعنت في تفقير اللبنانيين. وتقطّعت أوصال القرى حيث قطع محتجّون الطريق الدولية مقابل مفرق بلدة الخضر البقاعية بالإتجاهين بالإطارات المشتعلة، على بعد عشرات الأمتار من حاجز الجيش اللبناني، ما أدّى إلى زحمة سير في المحلة.
غلاء سعر صرف الدولار يعاينه البعلبكيون عن كثب في سوق بعلبك، والذي استكمل فتح محاله يوم الإثنين، ضمن المرحلة الثالثة من إعادة فتح البلد تدريجياً، فالأسعار تكوي الجيوب وتلسع الأيدي ولا قدرة لأحد على الشراء. وعلى عكس كل المناطق اللبنانية، سوق بعلبك لم يقفل كاملاً خلال فترة الإقفال العام، فالتجّار وأصحاب المصالح لم يكن لديهم خيار سوى المخاطرة بأرواحهم وفتح محالهم أمام الزبائن لتأمين متطلّبات عائلاتهم، ورضاهم بمحاضر الضبط التي قد تحرّر بحقّهم والتي تبقى أخفّ كلفة من الخسائر التي يتكبّدونها جرّاء الإقفال القسري.
جولة المواطنين في سوق بعلبك خلال اليومين الماضيين كانت للتنزّه بعد الحجر المنزلي أكثر منه للشراء والتبضّع، فالقدرة الشرائية للعديد من البعلبكيين أصبحت ما دون الصفر، والبضائع كلّها تسعّر وِفق أعلى سعر لصرف الدولار، وهو ما يؤكّده صاحب أحد المحال لبيع الأحذية، ويقول حسين لـ"نداء الوطن": "إنّ البضائع ندفع ثمنها بالدولار ونحن مرهونون للصرافين الذين يبيعوننا العملة الخضراء بالقطّارة ووِفق أعلى سعر صرف، أما حركة المبيع فهي شبه معدومة، فالأسعار وِفق الدولار قد زادت بنسبة 300 بالمئة ولا قدرة للناس على مجاراتنا في السعر، ولكنّنا مضطرّون لرفعها كي نسدّد ثمنها"، مضيفاً بـ"أنّنا لا نهوى الربح وتكديس الثروات، وإن كنّا نرفع أسعارنا هنا، ولكن بالمقابل سنشتري بضائع أخرى كالألبسة والمواد الغذائية والتي زاد سعرها أيضاً، وبالتالي هامش الربح الذي نحقّقه ندفعه في مكانٍ آخر".
حركة السوق التي لا بركة فيها يؤكّدها لـ"نداء الوطن" صاحب محل الألبسة محمود مشيراً الى أنّه لم يشترِ أي بضائع جديدة منذ شهرين، وهو يعرض ما لديه منذ أشهر وينتظر حال الدولار وعلى ماذا سيستقرّ، ويمرّ اليوم ولا يقصد محله زبون ويدفع الإيجار من جيبه. ويؤكّد بأنّ حال التجّار وأصحاب المحال أصبح اكثر من محزن، أما الناس وِفق قوله، فهي تتّجه إلى تصليح الثياب القديمة بعدما وصل سعر البنطلون على سبيل المثال إلى 250 ألفاً وهو ما لم يشهده أهالي المدينة أبداً.
أما الحالة القديمة الجديدة في بعلبك فتتمثّل بزيادة غير طبيعية للمتسوّلين من النوَر وغيرهم، فما بين المحل والآخر تجد طفلاً لا يتجاوز العشر سنوات ينتظر الزبائن ليمدّ يده ويطلب المساعدة، حتى يكاد البعض يدوس عليه بسبب عدم رؤيته لصغر حجمه، وترى أصحاب بسطات الخضار والفواكه والمواد الغذائية يحمل كلٌّ منهم بيده عصا وينتظر الشحّادين لينقضّ عليهم بعدما سرقوه لعدة ايام متتالية. ويسرد أبو محمد لـ"نداء الوطن" قصّته بعدما شهر عصاه بوجه إمرأة ثلاثينية تحمل طفلها بيدها، ويقول بأنّه يتعمّد تخويفها بعدما سرقت على مدار اليومين السابقين حبّات من البطاطا والبندورة من على بسطته، ويضيف بأنها من النوَر القاطنين على أطراف بعلبك ونحن نقدّر الوضع الإقتصادي الذي نعيشه وكل الناس بحاجة للأكل، ولكنّنا لم نعد نتحمّل الخسائر، والخضار والفاكهة أصبحت أسعارها بالحبّة والخوف من "الآتي أعظم".