أخذ الناس إستراحة من الغلاء، قرّروا مراقبة المشهد من بعيد، ما زال وقع إرتفاع الدولار صادماً لهم، لم يتوقّعوا أن يصبح مصيرهم مجهولاً وعملتهم في الحضيض، فيما الدولار يحلّق من دون رادع له. وبالرغم من الاحتجاجات المتنقّلة في القرى، طلباً للإستقرار المالي وإزاحة الطبقة الفاسدة عن الحكم، غير انها لم تؤت نتيجة ميدانية سوى مزيد من الغلاء والاحتكار، ولم تتمكن من ضبط السوق السوداء، ولا تجّار "الشنطة" الذين ينشطون على خطّ مواقع التواصل لسحب ما تبقّى من عملة صعبة، غير آبهين بصعوبة حياة الناس.
على غير عادة نهار الاحد، فرغت الطرقات من المارة، أما السيارات فخفّت حركتها لأنّ محطات المحروقات رفعت خراطيمها، ضمن الحجّة المعلبة "ما في بنزين". باتت حياة المواطن كرة ازمات تلتهب على وقع الشارع الملتهب، كلّ المؤشرات تؤكّد أنّ الانفجار الشعبي بات قاب قوسين، فالناس فقدت قدرتها على التحمّل، كانت تعوّل الى الامس القريب على ما تبقّى من سلع مدعومة تسدّ جوعها، غير أنّ المدعوم كلّه تبخّر في ليلة انشقاق الدولار نحو المجهول، أما المواطن فبقي يعول على متغيّر ما، معجزة ما، أو ربّما إنفراج مفاجئ. بيد أن الكل يدرك أنّ اللعبة في لبنان سياسية والحل سياسي، وما يعيشه المواطن لا يعدو كونه رسائل سياسية تجويعية متبادلة بين اطراف النزاع، والمواطن كبش المحرقة.
منذ الأمس والمواطن في صدمة، يحار كيف يواجه مصيره، الاسعار إرتفعت بشكل مخيف، كيف يأكل، "كورونا" لم يعد في حساباته، غلب الهمّ المعيشي على الصحّي، المأزق الحقيقي بدأ، والناس دخلت دوامة الانفجار المعيشي، كل ما يحيطها عالدولار، فهل يتحرك اللبناني ويشهر سيف جوعه في مواجهة سيف الفاسدين؟ تشير أوساط المحتجّين الى أنّ عدداً قليلاً من الناس خرج مقارنة مع الأزمة، وهذا مؤشّر سلبي، فالدولار يتّجه نحو الـ15الفاً، ما يعني أنّ شراء علبة بنادول لن يكون ممكناً، فكيف بالسكّر والرز والزيت وحتى الاجبان؟

في تحرّك الشباب الغاضب عند تقاطع شوكين ـ ميفدون ـ النبطية كان الهمّ "كيف بدنا نعيش" وكان القلق من "الاسوأ". يؤكد ابو محمد السبعيني أنّ الازمات تكرّر نفسها "إذ عشنا مرحلة مماثلة في الثمانينات والسبعينات حين فقدت العملة قيمتها مقابل الدولار وبات الخبز بالقطارة، واليوم نواجه جنون الدولار والأكل بالقطّارة، الفارق بين المرحلتين أنّ اليوم وصلنا للجحيم، وفقدنا حتى الألف في جيبتنا، وهذا ينذر بكارثة حتمية". مما لا شك فيه أنّ الاعباء الاقتصادية باتت تثقل كاهل الناس، تقول فاطمة السيدة التي تعمل في خبز الصاج، انها باتت عاجزة عن تأمين شيء لمورد رزقها ولبيتها، فالوضع في الحضيض، وتراجعت نسبة إقبال الناس على الشراء.
وِفق فاطمة فإنّ "ما نعيشه اليوم لم نشاهد مثله اثناء الاحتلال، لم يكن هناك جشع تجّار مماثل لما نراه اليوم، حتى البضائع الفاسدة يتمّ إعادة تغيير تاريخ صنعها وبيعها في الاسواق، والناس تأكل الضرب". تشير السيدة الاربعينية الى خطورة المشهد العام، مؤكّدة أنها مع خروج الناس للشارع تحت مسمّى الاوضاع المعيشية، غير أنها ترفض فكرة قطع الطرقات على الناس، بل تؤكّد "اهمية قطع طرقات الزعماء والفاسدين حينها يصبح للثورة قيمتها". يتوافق الجميع مع رأي فاطمة، مؤكّدين أحقّيتهم بالمطالبة بحقّهم في الحياة، معتبرين أنّ الزعماء سرقوا لقمتهم وليرتهم، وتركوهم للسوق السوداء، وانه آن الاوان لاستعادة السيطرة على الوضع وقلب الطاولة، غير أنّ السؤال المطروح متى تنطلق ساعة الصفر لقلب الطاولة؟ وهل ينزع المواطن عنه عباءة التبعية ويدافع عن لقمته؟ الجواب تكشفه الايام المقبلة من خلال حجم المشاركة في التحرّكات.