عيسى مخلوف

يومٌ للذِّكرى!

4 دقائق للقراءة

هل تحتاج المرأة إلى يوم لنتذكّرها فيه، ثمّ ننساها بقيّة أيّام السنة؟ وفي اليوم الذي نتذكّرها نعيد تكرار واجترار ما سبق أن قلناه، وما نقوله يشبه صراخاً في برّيّة! هل من حاجة إلى الإشارة ثانيةً إلى أرقام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتّحدة: خمسون ألف امرأة يُقتَلنَ سنوياً، وثمّة امرأة، من أصل ثلاث نساء، تخضع للعنف في جميع أنحاء العالم؟ وإذا كانت هذه الحال أينما كان، فأيّ وضع تعيشه المرأة في مجتمعات لا قوانين فيها لتحميها إلاّ قوانين الأحوال الشخصيّة الجائرة في دول متخلّفة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. مجتمعات نسبة جرائم الشرف فيها هي الأعلى، ولا تزال تُمارَس فيها ممارساتٌ بدائيّة كالختان والضرب والرجم وتزويج القاصرات. وهناك من يبرّر هذه الممارسات بتشريعات دينيّة تتعارض وأبسط حقوق الإنسان وأكثرها بديهيّة، وبنظرة لا ترقى إلى مستوى البشر، وتسجن المرأة في صورة جسدها فحسب. وما كانت نظرة الإسلام السياسي إلى هذا الموضوع قد ازدهرت في العقود الأخيرة لولا الواقع السياسي العامّ وما بلغه من عنف واهتراء.

ولا ننسى ما حلّ ببعض الفتيات والنساء اللواتي خرجنَ للمشاركة في التظاهرات في "ميدان التحرير" في مصر، كما لا ننسى "إطلالة" رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل حين أعلن اتخاذ بلاده الشريعة الإسلامية "المصدر الأساسي للتشريع"، وأشار إلى "إنهاء تقييد تعدّد الزوجات بموافقة الزوجة". فبدت المرأة في هذا الحديث الذي يكرّس دونيّة المرأة في يوم "تحرير" ليبيا من معمر القذافي كأنّها من غنائم الحرب.

في العام 1975، وبعد شهرين من بداية الحرب الأهليّة، خصّصت مجلّة "آفاق" عدداً عن المرأة جمعت فيه دراسات ومقالات بينها دراسة للمطران غريغوار حدّاد ومقالة للكاتب جيروم شاهين. اعتبر الاثنان أنّ قضيّة المرأة هي قضيّة أساسيّة، شاملة وتنبغي معالجتها على جميع الأصعدة، لكنّهما توقّفا خصوصاً عند موقف الدين من المرأة، وهو بالنسبة إليهما، الموقف الأهمّ الذي يجب إعطاؤه المنزلة الأولى في مسألة تحريرها. يختصر موقفهما مقدّمة جاء فيها أنّ "الدين الذي كان يجب أن يؤدّي، في الأساس، وظيفة مجتمعيّة نقديّة في كشف كلّ استغلال، وفي شجب كلّ تصرّف يسيء إلى الإنسان في جميع أبعاده ويبقيه في وضعِ ظُلم. هذا الدين نفسه كان الأداة الأكثر فعالية وإرهاباً- لما له من سطوة ورهبة في عقول الناس- في إنجاح مؤامرة الرجال لاستغلال النساء. إنّ ديناً مثل هذا لا يمكن أن يكون إلاّ من صنع بعض الرجال أيضاً".

قراءة موقف الأديان التوحيدية من المرأة تحتاج إلى قراءة مدنيّة تأخذ في الاعتبار التحولات التي طرأت على العالم في الألفي سنة الماضية. هذه القراءة الجديدة تمكّنت منها بعض مجتمعات العالم التي فصلت بين الدولة والدين ولم تعد فيها المرأة محرومة، باسم القوانين والشرائع، من حقوقها المدنيّة والقانونيّة. معركة المرأة في سبيل الحصول على إنسانيّتها الكاملة متواصلة منذ زمن بعيد، وتحقيقها لم يكن يوماً بالأمر السهل. فالمرأة في الغرب، وحتّى في فرنسا التي شهدت عصر الأنوار والفكر النقدي، تأخّر إعطاؤها الكثير من حقوقها فكان عليها مثلاً أن تنتظر حتّى العام 1945 لتنال حقّها في الاقتراع. ولم يؤتَ لها ذلك لولا انخراطها في الحياة العملية ولولا الدور الذي قامت به في الحياة الاقتصادية منذ نشوء الثورة الصناعية، وخاصّة بين الحربين العالميتين. ولم تنته معركة المرأة في الغرب على الرغم من الحقوق التي حصلت عليها حتى الآن.

اليوم العالمي للمرأة - لكي يستقيم فعلاً ويتحوّل إلى احتفال حقيقي، في العالم أجمع لا سيّما في العالم العربي- يقتضي العودة إلى ما جاء في "ميثاق الأمم المتّحدة" و"الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الداعيين إلى المساواة وإعطاء المرأة حقوقها المدنية والسياسية والدستورية، لتتحدّد من خلالها مكانتها في المجتمع، ولتتمكّن من المساهمة في نهضته. وهذا يستلزم أيضاً المصادقة على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة والتعاطي معهـــا بصفتها كائناً حيّاً لا مجرّد جسد تنحصـر وظيفته في الجنس والإنجاب.