رمال جوني -

إثنين الغضب عبَر بأزمة بنزين في النبطية

3 دقائق للقراءة
قطع الطريق عند تمثال حسن كامل الصباح

يعبر أحدهم بسيارته على طريق حاروف الدوير مُطلقاً العنان لصوت مذياعه، غير آبه بأزمة المحروقات التي أطلّت برأسها في منطقة النبطية كما سائر القرى. يبدو غير مبال بما يجري حوله، لا يحرّكه شاب يحمل غالون بنزين حصل عليه من احدى المحطات ويمضي مسرعاً لملء خزّان سيارته الفارغ، ولا حتّى ارتفاع اسعار السلع كافة بفعل هجمة الدولار المرتدّة. بدا في عالم آخر ينسجم مع أغنيته، وكأنّ لا ازمات تخنق الناس، ولا انفجار معيشياً يدنو أكثر، حتى انه لا يهتمّ لخسارة عمله، يبدو في واد والوضع المأزوم في واد.

فلليوم الثاني على التوالي، عاشت منطقة النبطية أزمة بنزين، 90 بالمئة من المحطّات أقفلت، رفعت خراطيمها، ومن فتح بالكاد حصل على بضع ليترات لم تسد ّحاجة الذين وقفوا بالطابور لساعات بانتظار ملء خزّانات سياراتهم بـ٢٠ الف. وفيما كان البعض يبحث عن بنزين، كان هناك من يبحث عن بضائع مدعومة، لم يعد هناك خيار آخر عند الناس، باتوا في الحضيض يخشون الأسوأ ولكنّهم لا يحرّكون ساكناً. 70 بالمئة منهم تحت خطر الفقر المدقع ومع ذلك لم تشهد منطقة النبطية تحركات ضاغطة، لم تشنّ هجوماً مباغتاً ضدّ اركان السلطة الفاسدة، بقوا في منازلهم يراقبون ما يحصل، يعانون أزمة تقنين المياه والكهرباء، وتلسعهم فاتورة الإشتراك التي تجاوزت الـ250 الف ليرة لـ 5 امبير، ومع ذلك لم يتحرّكوا، إكتفوا ببثّ غضبهم عبر صفحات التواصل الإجتماعي، تحوّلت هذه المساحة الصامتة فشّة خلق تبدأ بـ like وتنتهي بـ comment.

وحدهم قلّة من الشبان إنقلبوا على المشهد، قطعوا الطريق عند تمثال حسن كامل الصباح، باتت هذه النقطة مركز الغضب الشعبي، ربما لرمزية العالم الصباح مخترع الكهرباء، فالكل يجمع على أنّ لبنان غنيّ بطاقاته، ولكنها مهجّرة الى الخارج، يقرّ الجميع بأنّه لو تمّت الاستفادة من اختراعات الصباح لكنّا ننعم بالكهرباء، غير أنّهم يؤكدون أننا في بلد يعاقب مخترعيه بإهمالهم، ويكرّم الفاسدين. يركض شاب عشريني بدولاب سيارة، يرمي به في النار الملتهِبة، بدا كمن يرمي أزماته لتحترق علّه يحصد إنفراجاً قريباً. يعاني الشاب من الفقر، يواجه مأساة حقيقية، عمل مراراً في بيع الخضار قبل أن يتوقّف بسبب ارتفاع اسعارها، وعدم قدرته على شرائها. يخشى الشاب مرض أحد افراد أسرته، حينها تقع الكارثة، فلا يوجد ضمان لديه، ولا تأمين، ولو على حساب الوزارة لا يملك ثمن فرقها، خرج الى الشارع لأنه تعب الصمت، بات يحتاج الى مساحة تعبير حرّة، يريد أن ينفّس وجعه، "تعبنا" يقول، "بات تأمين ربطة الخبز صعباً في زمن البطالة، كثر مثلي يعانون ولكنّهم لا يتكلمون".