مع كلّ ابتكار وكلّ اكتشاف علميّ جديد، تتزايد التساؤلات عن الإيجابيّات والسلبيّات، وعن المنافع والمخاطر. اليوم بدأ الحديث عن مخاطر الجيل الخامس للاتصالات، وهل قد يؤدّي إلى السرطان؟ ولم تنته الأسئلة بعدُ حول أجيال الاتصالات السابقة والتي أصبح استعمالها جزءاً من حياتنا اليوميّة. كذلك الأمر بالنسبة إلى الأسمدة التي تهدّد حياة النحل ما دفع الأمم المتحدة إلى اختيار العشرين من شهر أيّار "يوماً عالمياً للنحل"، لأنّ انقراضه يشكّل خسارة كبيرة للإنسان لما له من دَور حاسم في الحفاظ على الطبيعة والتنوُّع البيولوجي والتوازن البيئيّ. وإذا كانت معرفة العالم حولنا تزداد مع التقدّم العلمي والأبحاث العلميّة، فإنّ ثمّة من يعمل باستمرار على دحض نتائج هذا التقدّم وتلك الأبحاث. بل واستعمال العلم نفسه، وبعض العلماء والبحّاثة والمحامين، للتأكيد على هذا الغرض ممّا يزرع الشكوك في النفوس ويساعد الشركات الكبرى على ربح المزيد من الوقت لتحقيق المزيد من المردوديّة المادّية. وهناك في العالم اليوم جامعاتٌ تعمل على دراسة الجهل، كيف يُنتَج وكيف نحمي أنفسنا منه. هذا الموضوع تمحور حوله مؤخّراً برنامج قدّمته قناة "آرتي" الفرنسية الألمانية وشارك فيه عدد من الدارسين والمتخصّصين.
الحملة الأكبر لمواجهة الاستنتاجات العلميّة قامت بها شركاتُ التبغ الكبرى في خمسينات القرن الماضي، وهي مثال مهمّ لاستعمال العلم ضدّ العلم. ولقد صرّح رؤساء هذه الشركات إثر اجتماع تاريخي لهم في الولايات المتّحدة الأميركية: "نحن نعي ما يقوله العلم، وسنلتزم مساعدته من خلال البحث عن طبيعة العلاقة بين التبغ والصحّة". وبالفعل، أسّس هؤلاء جمعيّة للبحث عن كيفيّات تصنيع التبغ ومضاعفاته، وموّلوا بحوثاً لمعرفة أسباب سرطان الرئة. وتوصّلوا إلى نتائج تقول إنّ السيجارة خطرٌ بين أخطار كثيرة، لكنه خطر ضئيل نسبةً إلى تلوّث الهواء وغير ذلك من الأسباب. كان الهدف الأساسي لهذه الجمعية هو تأخير الحسم العلمي والتهرّب من ملاحقة القانون، فضلاً عن تضييع أحد المصادر الفعليّة لسرطان الرئة والاستفادة من الوقت لمزيد من الربح. سبعون عاماً والتشكيك في مخاطر التبغ لا يزال قائماً في بعض أصقاع العالم، ولا يزال التبغ حاضراً ومنتشراً بقوّة. ما ينطبق على التبغ يطال أيضاً قطاعات الصناعة والزراعة والأدوية والمأكل والمشرب.
يواكب هذه الحالة العامّة انتشارُ الابتذال الذي أصبح يتمتّع بمؤيّدين وأتباع يجهرون بدفاعهم عنه. تساعد على وصول هذا الصوت وسائل التواصل الاجتماعي التي تشبه رحلة في قطار سريع يتجاوز صفوفاً طويلة من الأشجار. الخبر يأكل الخبر الذي يسبقه والصورة تبتلع الصورة. هذه الوسائل تفتح لنا إمكانية التعبير لكن ضمن فضاء شاسع ومبعثر. "الفيسبوك"، مثلاً، يشبه صفّاً مدرسيّاً مترامي الأطراف يجتمع تحت سقفه طلاّب الصفوف الابتدائيّة والطلاّب الجامعيين معاً، وكذلك بعض البالغين الذين لم يكبروا ولم "يفكّوا الحرف" بعد.
للتلفزيون دور كبير أيضاً في مجال ترسيخ الرداءة والتسطيح. أقصى طموح الشاشة الصغيرة بلوغ أكبر نسبة من المشاهدين، ولبلوغ هذا الكمّ لا بدّ من خفض مستوى المعرفة، بل التخلّي عن المعرفة كلّياً إذا أمكن، والالتفات إلى ما تستسيغه الغرائز وما يصبح، في أحسن الأحوال، حديث إلهاء وتسلية. سطوة المال هي التي تحدّد المعايير الجديدة وترسم دورة الاقتصاد التي لا تؤمن إلاّ بالمردوديّة المادية فتهمّش كلّ ما يتعذّر تحويله بضاعة يمكن تسليعها.
يقول أحد أبطال فيلم "اللاعب" للمخرج الأميركي روبرت ألتمان: "إذا كنّا لا نتألّم لجريمة نقترفها بأيدينا، فهي ليست جريمة". المعيار الوحيد لهذا اللاعب هو المال ولا شيء سواه. الوصول إلى المال، بأيّ وسيلة. وهو، من أجل ذلك، يقدّم نفسه في نهاية الفيلم بصفته مدافعاً عن الثقافة الجادّة وخصوصاً عن الفنّ السابع: "إنّ دعم الفنّ السينمائي الأصيل هو شأننا ومن مهمّاتنا الأساسيّة". هذه الرسالة التي سبق أن رأيناها مجسّدة في خطاب رؤساء شركات التبغ، تخفي رسالة أخرى مفادها أنّ الثقافة، ومن ضمنها الفنّ السابع، أصبحت تحت سيطرة اللاعبين الكبار. اللاعب في الفيلم تعنيه السينما والثقافة على المستوى الظاهري فحسب، مثلما تعني مطاعم "ماكدونالدز" صحّة البشر. فهذه المطاعم تشجّع، من خلال حملاتها الدعائيّة، على تناول الفاكهة والخضار وممارسة الرياضة، أي كلّ ما يتناقض والوجبة السريعة التي تقدّمها. وهكذا يتمّ تفريغ الكلمات من محتواها مثلما عندما تُكثر الأمم المتّحدة من استعمال كلمة "سلام"، ومثلما يُكثر الطاغية المستبدّ من تكرار عبارة "شرف الأمّة وكرامتها"، ومثلما يلجأ المتطرّفون دينياً إلى استعمال الدين الذي يصبح معهم مصدر خوف ورعب بدل أن يكون مرادفاً للسكينة والرحمة والاطمئنان.