ريتا ابراهيم فريد

بعدما ناشدته ألا ينسى لبنان...

غريسيا أنطون: أتمنّى أن يكون البابا فرنسيس سمع صرختنا

13 آذار 2021

02 : 00

«بابا فرنسيس، لا تنسَ لبنان». بهذه العبارة صرخت مراسلة الـ»LBCI»غريسيا أنطون باللغة الإيطالية مباشرةً على الهواء لقداسة البابا خلال زيارته للعراق، وناشدته أن يزورنا قريباً.

صرخة حملت حكايات كثيرة عن وطن بات ينزف يومياً من جرح جديد، ويعاكس قدراً متواطئاً مع موت يطارد أبناءه في كلّ مكان.

صرخة نطق بها القلب قبل الحنجرة، وكأنّها تحمل معها أوجاع ومآسي اللبنانيين التي باتت أشبه بالجلجلة.

لاقى الفيديو انتشاراً كبيراً، لا سيّما بعد إعلان قداسته أنّ رحلته المقبلة ستكون الى لبنان، حيث اعتبر كثيرون أنّه سمع صوت اللبنانيين وشعر بحاجتهم الماسّة الى أمل قد يشعّ من مكان ما، علّه يرسم سماء صغيرة على جدران قلوب تعبت من قرع أجراس الحزن.

«نداء الوطن» تواصلت مع غريسيا وتحدّثت عن هذه اللحظة التي اعتبرها البعض أنها من أجمل وأصدق ما شاهدناه على الشاشة منذ فترة.




هل حضّرتِ مسبقاً لهذه الصرخــــــة أم أتت عفوية؟

كنتُ حينها في الكنيسة بانتظار إنهاء تقريري كي أصلّي على نيّة أهلي والمرضى وضحايا انفجار الرابع من آب، وعلى نيّة كلّ الناس في لبنان. لكنّي لم أستطع ذلك بحكم العمل، إذ كان مطلوباً مني أن أخرج بسرعة لنقل لحظة خروج البابا من الكاتدرائية، والحصول على مقابلات من المؤمنين المتواجدين أمام الكنيسة. حزنتُ كثيراً لأني لم أستطع أن أكمل صلاتي. لكنّ الرب تدخّل، وأيقنتُ أنّ الصلاة الفعلية كانت في الخارج. وبعد لحظات خرج البابا فرنسيس، وحين رأيتُه شعرتُ حقاً أني قد صلّيت! وامتلأتُ بسلام داخلي لا يوصف حين مرّ بجانبي ونظر إليّ.

وبحكم أنّي ملمّة قليلاً باللغة الإيطالية، لم يخطر في بالي خلال تلك اللحظة إلا أن أناشده ألا ينسى لبنان. فقد كانت الاحتجاجات تعمّ الشوارع، والدولار يواصل ارتفاعه بشكل جنوني. وفعلاً خاطبتُه بكل عفوية ومن كلّ قلبي وبكلّ إيمان. وبدوره استدار ونظر إليّ وابتسم وأومأ برأسه.

أعلن البابا فرنسيس أنّه سيزور لبنان قريباً. هل شعرتِ هُنا أنّ صرختك وصلت الى مسامعه؟

حين كنتُ على متن الطائرة في طريق العودة من بغداد الى بيروت، وبعد أن بدأتُ بصلاة المسبحة كي أهدأ وأتغلّب على خوفي من الطيران، وصلتني رسالة مفادها أنّ قداسة البابا أعلن لقناة "سكاي نيوز" أنّه سيزور لبنان. شعرتُ في تلك اللحظة أنّي ربّما أكون قد لعبتُ دوراً ما حتى لو بشكل غير مباشر. ومنذ ذلك الحين لم يهدأ هاتفي. ومعظم من تواصل معي كان يشكرني على الصرخة التي أطلقتُها. ومن المعروف أنّ هذا النوع من الزيارات يتمّ التنسيق له مسبقاً، وبالتالي إعلانه عن الزيارة بهذا الشكل قد يشير الى أنّ قداسته قد سمع صرخة المواطنين في لبنان. أتمنّى ذلك من كلّ قلبي. وسأحاول قريباً التواصل مع الفاتيكان علّني أعرف إن كان فعلاً قد سمعني.

لأي مدى ترين أنّ لبنان بحاجة اليوم الى زيارة الحبر الأعظم؟

ستحمل زيارة البابا الى لبنان دعماً معنوياً كبيراً لكلّ المواطنين. ولا بدّ من الإشارة هُنا الى أنّ الرسائل التي وصلتني من الإخوة المسلمين في لبنان فاقت عدد رسائل المسيحيين، وهذا التفاعل يشير الى أنّ كلّ لبنان بانتظار هذه الزيارة. فنحن اليوم بحاجة الى دعوة حقيقية للسلام في وطننا الذي عانى الكثير ولا يزال يعاني، علّ ذلك يحمل تغييراً نوعياً نحن بأمسّ الحاجة إليه.

بالعودة الى العراق الذي يتألّم منذ سنوات، كيف وجدتِ عن قُرب تفاعل العراقيين مع زيارة البابا فرنسيس؟

يشبه العراق وأهله اللبنانيين الى حدّ كبير، حيث أنّهم يعانون أيضاً من أوضاع صعبة جداً شبيهة بالتي نمرّ بها، وقد تكون أوضاعهم أكثر صعوبة. وبالتالي هم كانوا بانتظار هذه الزيارة. واللافت أنّ المسلمين الذين حضّروا لها سعوا بكلّ جهودهم لنجاحها، آملين أن تُحدث تغييراً في بلدهم. تفاعلهم كان رائعاً. وشدّدوا جميعهم على أنّ رسالة المحبة والسلام والأخوّة والإنسانية التي حملها قداسته، هي أكثر ما يحتاجه العراق كي يتجاوز الأزمات التي يمرّ بها، فهم فعلاً كانوا يتطلّعون الى القوة التي استمدّوها من قداسته. وبمجرّد أنه تحدّث الى المسؤولين، والتقى بالمرجع الشيعي الأعلى وشارك في لقاء الأديان مع ممثّلي الطوائف، تبيّن فعلاً أن هذه الزيارة تاريخية وغير مسبوقة ومليئة بالبركة والإيمان، وهذا ما يؤكّده معظم العراقيين.


مع الزميل المصوّر بيار يوسف



لماذا تمّ اختيارك أنتِ بالــــــــــذات (مع الزميل إدمون ساسيـــــن) لتغطية هذا الحدث الضخم؟

بكلّ صراحة، حتى اللحظة ما زلتُ لا أعلم سبب اختياري. لكنّي أعتقد أنّ الثقة هي الأساس. فبعد مرور سنتين على انضمامي الى "المؤسسة اللبنانية للإرسال"، يبدو أني أثبتُّ قدرتي على تحمّل المسؤولية وتقديم تغطية حسّاسة وصادقة تتناسب مع هذا النوع من الأحداث. فالجمهور يحبّ المراسل الطبيعي والقريب من الناس. بدوري أسعى لأبقى عفوية كما أنا في عملي. وهذه أول رحلة عمل لي أشعر خلالها بالقلق. فلا يمكنني القول إنّي بتّ مخضرمة في هذه المهنة، ولا يزال أمامي درب طويل لتطوير نفسي مهنياً. المسؤولية كانت كبيرة. والمهمّة كانت صعبة جداً. لكنّ الرب بقي الى جانبي في كلّ لحظة ظهرتُ فيها على الهواء، وساعدني على اختيار الكلمات الصحيحة التي تمنح الأمل.

التقيتِ بالمسيحيين العراقييـــــن الذين تهجّروا من بيوتهم بسبـــــــــب تنظيم "داعش"، واستمعتِ الى قصص عدة. ما هي القصة التي تركت بداخلك أثراً أكبر من غيرها؟

التقيتُ بالمسيحيين النازحين نهار الأحد، حيث قمنا بجولة في مجمّع زيّونة. وكنتُ قد قدّمتُ بنفسي هذا الاقتراح للإدارة في بيروت، علماً أنّ الأحد كان يوم راحة لي، بعد أن غادر البابا بغداد الى أربيل حيث كان يغطّي الزميل إدمون ساسين. إلا أنّي أصرّيت على لقاء هؤلاء المواطنين الذين يشعرون بالألم، وألا تقتصر تغطيتي على لقاء السياسيين أو رجال الدين الذين زارهم البابا.

القصص جميعها صعبة ومؤثّرة. لكن أكثر ما أثّر بي هي قصة أميرة، وهي سيدة متقدّمة في السنّ وتعاني من أمراض عدة وتعجز عن السير بمفردها. تهجّرت مرتين بسبب "داعش"، كما أنّ منزلها احترق بكامله وخسرت كل ما تملك. واضطرّت للسكن في "كارافان" طوله تسعة أمتار وعرضه ثلاثة أمتار.

لكنّ زوجها لم يحتمل العيش في هذا الوضع الصعب، وتوفّي من شدّة قهره بعد أشهر قليلة. شعرتُ بالأسى الكبير تجاه هؤلاء المواطنين، فبالرغم من أنّهم نجوا من "داعش"، إلا أنّ مصاعب الحياة والمعاناة جراء خسارة جنى عمرهم وحرمانهم من عائلاتهم تركت بداخلهم أثراً نفسياً صعباً جداً.




بعيداً عن الاعلام، كيف تصفين هذه التجربة وما الأثر الذي تركته داخل غريسيا الإنسانة؟


هذه التجربة هي الأحبّ إلى قلبي، بكلّ ما تركت من خبرة وعلاقات إجتماعية وصداقات وإخوّة مع الشعب العراقي الذي يحبّ اللبنانيين بشكل إستثنائي، حيث أنّهم تعاطوا معنا بأسلوب أكثر من رائع.

برأيي أنّ هذه التغطية لن تتكرّر، وهي الأجمل في مسيرتي المهنية المتواضعة. ولا أظنّ أني قد أغطّي حدثاً أجمل من هذا، إلا إذا زار البابا فرنسيس بيروت وكلّفوني بالمهمّة.

أكدّت لي هذه التجربة أنّ الرب لا يترك أبناءه. وكنت قد تعرّضتُ الى محاولة سرقة سيارتي قبل ليلة واحدة وحزنت كثيراً. وفي صباح اليوم التالي تبلّغتُ بأني سأسافر لرؤية البابا، فشعرتُ حينها أنّها رسالة من الرب، وأنه الى جانبي.

لا بدّ من الإشارة أيضاً الى أنّ الفضل في نجاح هذه التغطية يعود أيضاً الى الزميل المصوّر بيار يوسف، حيث أننا عملنا لأكثر من خمس عشرة ساعة، وبذلنا كل جهدنا كي ننقل الصورة بأفضل ما يمكن. أجمل ما حصل معي في العراق على صعيد شخصي، هو أنّ مواطنة عراقية مسلمة قالت لي: "نيالك إنك جايي تغطي زيارة البابا بالعراق. تمّ اختيارك يعني الله راضي عليكي". والحمدلله على كلّ النِعم.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.