عيسى مخلوف

نُصَفِّق لهنّ من وراء زجاج عازل

5 دقائق للقراءة

المرأة ليست مجرّد مَعبَر للكائن الذي يخرج منها، خصوصاً حين تكون مهيّأة لاستقباله. يقول الكاتب الفرنسي كريستيان بوبان إنّ "الأمّهات يولدنَ في الوقت نفسه مع بناتهنّ وأبنائهنّ". في هذه الولادة المتجدّدة يكمن سحر الأمومة ومعنى الرابط العجيب بين الأمّ وطفلها. غير أنّ الأمومة لا يمكن عزلها عن محيطها العامّ، فهي تتأثّر أيضاً بالأحوال والظروف التي توجد فيها، لا سيّما في المجتمعات الذكوريّة التي تغيب فيها المساواة في الحقوق، وتحطّ من شأن المرأة وكرامتها نتيجة الثقافة السائدة. مجتمعات يتغنّى رجالُها بالأمومة ويتغزّلون بالأنثى لكنّهم يقبلون باستغلال المرأة واستباحتها، وينظرون إليها نظرة دونيّة تختزل صورتها في جسدها ولا تتبيّن فضائلها إلا في الخضوع والتضحية وقهر الذات.

هناك أيضاً قوانين الأحوال الشخصية التي تستند إلى مبرّرات شرعيّة في تبريرها الظلم، وتقوم على التمييز ضدّ المرأة وفرض الوصاية عليها. إنها قوانين غير مدنيّة وغير إنسانيّة، تتنافى وحقوق الإنسان وتعزّز الخوف والقهر والتهميش.

أكرّر ما سبق أن قلته هنا: الأمّهات، في المُطلَق، جميلات، وجمالهنّ يأتي من الحبّ‫. من لُغز الحبّ الذي في قلوبهنّ‫. في المُطلَق، أقول‫. أي، حين لا تتحوّل الأمومة إلى عبء وعبوديّة‫. أي حين لا ينظر الأزواج والأولاد إلى الأمّهات بصفتهنّ وليمة ويأكلونهنّ‫. عندئذ، ما الذي سيبقى من المرأة ولها؟ أيّ عطاء يبقى لكي تُعطي؟ من ينتبه لروحها، لأحلامها وتطلّعاتها؟ وأيّ وقت سيتاح لها لتتفتّح، هي أيضاً، وتعمل وتُبدع وترى النور؟ لو كان واحدنا يعيش حياتَين اثنتَين، لكنّا ضحّينا بواحدة منهما، أو لكنّا اعتبرنا الأولى بمثابة "تمرين" للحياة الثانية الحقيقيّة‫، لكنّ الحياة واحدة وحيدة فحسب. وهذا ما نغفل عنه حين ننظر إلى الأمّهات من بعيد‫، ونصفّق لهنّ من وراء زجاج عازل كلّما بذلنَ المزيد من التضحيات‫. ولا ندرك كيف تتحوّل الأمومة أحياناً - الأمومة التي هي سرّ وفرح - إلى جُرح وكآبة‫.

في العالم العربي، هناك من لا يزال يفكّر بالطريقة نفسها التي كان يفكّر فيها بعض الفقهاء، من الإمام أبي حامد الغزالي الذي كان يعتبر أنّ المرأة "رِقّ لزوجها"، إلى الخوارزمي، صاحب المقولة الشهيرة: "ستر العورات من الحسنات، ودفن البنات من المكرمات". والذهنيّة الذكوريّة هي التي افترضَت أنّ المرأة خُلِقَت من ضلع الرجل، بينما هو يعرف تماماً من أين خَرَج. في هذه الظروف، تعيش المرأة أمومتها في العالم العربي. إضافةً إلى أنّ تجربة الأمومة في دول النزاعات والحروب تختلف عمّا هي عليه في مجتمعات يعيش أهلها أوضاعاً مغايرة، لقد رأينا ماذا حلّ في لبنان بأمّهات المخطوفين والمعتقلين والمغيّبين قسراً والمجهولي المصير، وثمّة أُمّهات رحلنَ أو أُصبنَ بالألزهايمر ونسينَ أنّ لهنَّ أبناء ذهبوا ولم يعودوا. وهل انطفأت الحرب الأهليّة في القلوب المكتوية بنارها على الرغم من السنوات التي مرّت؟ ألم تصرّح يوماً رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين وداد حلواني: "نريد فقط مدفناً نقصده للصلاة ووضع الزهور"؟ تلك الحرب المتجدّدة في صور وأشكال مختلفة منذ قرابة نصف قرن تضع الأمّهات دائماً أمام امتحان جديد لا تتبدّل مقوّماته مع مرور الزمن. كأنّه كُتِبَ على الأمّ اللبنانيّة أن تودّع دائماً أبناءها، إما وهم يضطرّون إلى مغادرة بلدهم، هرباً من جوع وبحثاً عن مكان آمن، كما الحال الآن، أو حين تقتلهم سيّارة مفخّخة أو مسدّس كاتم للصوت. ومَن أكثر من الأمّ يتحسّس الموت ويعرف طَعم الفَقد؟ ألم نسمع سلمى مرشاق سليم، والدة لقمان سليم، وهي تقول: "ذبحوني ذبح عشان لقمان كان ابني وصديقي وشريكي في الفكــر والقراءة والمناقشة"؟

صوتُ المرأة الحامِل

أسمع صوتها فيَّ وهي تقول له:

حين تأتي الريح من الشمال أدور بك نحو الجنوب. أتأنّى في رسم كلّ حركة أقوم بها. براحَتَيّ الاثنتَين أحميك من البرد. أمدّدهما فوق بطني، ومعهما أمدّد نوازعي المأخوذة بك. كرةٌ أرضيّة صغيرة هذا البطن بين يدَيّ. ببطء أحرّك فوقه أصابعي. أتلمّسه كأنني أداعب خفايا العالم. أخالكَ تنبت في كلّ عضلة وفي كلّ خليّة. أسمع طَرقاً على البطن، تَلاطُمَ أمواجٍ تحاكيها بيديك وقدميك. هل تنبّهني بذلك إلى وجودك أم أنك تقول: سئمتُ البقاء هنا وأريد أن أخرج؟ ألهذا تتحرّك كلّ هذا الحراك، تتمطّى وتنقبض؟ لكنك لا تزال في نهاية شهرك الثامن. تمهَّل ولا تغضب، لم يبقَ إلاّ القليل. كأنني أسمعك تقول: ولماذا لم يكن الحمَل تسعة أسابيع أو تسعة أيام فقط؟ يتضاعف لطمُكَ داخلي. داخلي هو أو داخلك أنت؟ كفى. إهدأ قليلاً. سأنهض الآن وآخذكَ إلى المكان الأرحب. إلى حيث ينمو النبات ويتدفّق الماء. بخطوات متثاقلة نتقدّم في شمس الظهيرة. ومعاً نقترب من الأشجار، نتلمّسها، ونختار الظلال الأجمل لنستظلّ بها.

أجراسٌ مُعلَّقة فوق قوس قزح. أمواج من نور تأخذ الأرض إلى مقلبها الآخر. أفكّر أحياناً كيف في الإمكان أن تخرج منّي وتظلّ ساكناً قرب دقّات قلبي. ستقول: غريبة والدتي وأنانيّة. تريدني فقط عضواً من أعضائها، نفَساً من أنفاسها. وتريدني لها.





أنتَ لي!

ما الذي يحدث لجسدَينا الآن وما الذي سيحدث؟ هل سنفترق فعلاً في الغد الآتي؟ أشتاق إليك وأنتظر رؤيتك، ولا أريد أن أفرغ منك! هل يرغب النهر في أن يفرغ من مائه؟ أنتَ نهري ومائي، وأنتَ الأزرق الذي يَرفَعُ السماء الأجمل من كلّ سماء.

منتصف الليل. في الجسد الواحد نحن، وفي سرير واحد. أتسلّل إليك وأبحث فيَّ عنك. أخاف وتزداد دقّات قلبي. هل هو قلبك أم أنّه قلبي الذي يرتعش ويفيض؟ قلبان ينبضان في جسد واحد، يستويان فوق النشيد. نَبضُ مَن هذا النبض المزدوج، أم أنّه المدّ والجَزر؟ إبحارٌ، لكن إلى أين؟

أصواتٌ ترتفع قربي في المقهى، تضع حدّاً لشرودي. ألتفت إلى حيث المرأة الحامل فأراها لا تزال تنظر نحو النافذة. تطالعني عيناها الواسعتان وقد ازدادتا اتساعاً. تبرق في وجهي نظراتها التي تشبه طيران الفراشات المنتشية بالضوء، المترنّحة كالدُّمى تحرّكها خيوط الشمس.

(من كتاب "مدينة في السماء")