لا تنتهي رحلة بعض الأشخاص عند رحيلهم. هذه هي حال المفكّر الجزائري محمّد أركون الذي فارقنا ذات يوم من العام 2010 عن عمر يناهز الثانية والثمانين عاماً. الكتب التي صدرت تباعاً بعد وفاته: "البناء الإنساني للإسلام"، "قراءات في القرآن" و"حين يستيقظ الإسلام". في هذه الكتب الثلاثة، كما في معظم نتاجه، يقدّم أركون قراءة للإسلام تستند إلى مرجعيّات ومناهج علمية وتنطلق من الفكر النقدي العقلاني.
كانت فرنسا محطّة مهمّة في تكوين محمد أركون الثقافي، وكان من بين أساتذته المستشرق المعروف ريجيس بلاشير، ومن بين أصدقائه بعض المفكّرين وعلماء الاجتماع الذين تركوا أثراً كبيراً في توجّهاته الفكريّة، ومنهم المؤرّخ والمستشرق كلود كاهين الذي ساهم في تجديد المنهج التاريخي للشرق الإسلامي، والفيلسوف بول ريكور وعالم الاجتماع بيار بورديو. ولقد اكتشف أركون مع هذا الأخير معنى القراءة الأنتروبولوجية في دراسة مجتمع محدّد. ففي كتابه "الحسّ التجريبي"، قدّم بورديو تصوّراً علمياً أنتروبولوجياً للثقافة والحياة اليومية لمنطقة القبائل الجزائرية، أي للبيئة التي ولد ونشأ فيها أركون، وتعمّق في تحليل تلك البيئة الشفهيّة التي لا تملك ذاكرة مكتوبة.
ضمن هذا المناخ العلمي، سعى أركون إلى توسيع ميدان الدراسات الإسلامية من أجل الوصول إلى دراسة الظاهرة الدينية ككلّ من خلال دراسة نقدية مقارَنة للأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، ممّا يفتح، في رأيه، آفاقاً جديدة لقراءة الإسلام ولفهم أعمق للثقافة العربية. تناول محمد أركون أيضاً مسألة فهم الحضارات واحترام الاختلاف، ودعا، انطلاقاً من نزعته الإنسانية المتأثّرة بفلاسفة عصر الأنوار، إلى نبذ العنف والعمل على إرساء حوار فعليّ بين الحضارات لتفادي الصدامات التي تعيق النموّ والتقدّم وتترك آثاراً سلبيّة على الإنسانية جمعاء.
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، راح أركون يغوص، أكثر فأكثر، في دراسة العلاقة بين الفكر النظري والجانب التطبيقي منطلقاً من السؤال الآتي: لماذا يعيش العالم العربي والإسلامي اليوم لحظة تراجع تاريخية وما الذي أوصله إليها؟ في محاولته الإجابة على هذا السؤال، تبنّى أركون القراءة النقدية العلمية التي لا تساهم فقط في قراءة موضوعية تاريخية للإسلام، وإنما أيضاً في رأب الشرخ الأسطوري بين الشرق والغرب. وركّز على شقَّين اثنين: الإسلام بوصفه تجربة روحية وسياسية، وعلاقة الإسلام بالتحديات العالمية الراهنة.
بالنسبة إلى أركون، انعكست تحوّلات العالم الحديث وقوى العولمة بصورة سلبية على الإسلام أكثر مما انعكست على أيّ ديانة أخرى. وكان طرح في هذا المجال مفهوماً غير متداوَل في اللغة العربية وقد أسماه "مفهوم السياجات العقائديّة المُطلَقَة"، وهو مفهوم يدلّ على الانغلاق الناتج عن عدم قراءة تاريخية للمعتقَد، بل عن قراءة تخلط بين مستويين: مستوى النصّ الديني، ومستوى ما أبدعه البشر في حياتهم الاجتماعية والتاريخية. ويقول أركون إنّنا، وبسبب هذا الخلط بالذات، دفعنا ولا نزال ندفع أثماناً كبيرة.
يقول أركون إنّ الضغط الذي فرضه الاستعمار على جميع البلدان العربية والإسلامية جعل الناس يبتعدون عن العالَم الفكري، وجعلهم يهتمّون أكثر بما كان يسمّيه "إيديولوجيا الكفاح"، وذلك للتحرّر من النظام السياسي الاستعماري. وطالما كان يردّد أمامنا: "لا بدّ من تدريس العلوم الإنسانية، وخصوصاً علم الأنتروبولوجيا، من أجل قراءة أفضل وأعمق للنصوص الدينية".
لم يكتفِ أركون بدراسة الظروف التاريخية التي أدّت إلى اندحار الفكر النقدي والممارسة الإنسانية في العالم العربي منذ القرن الثالث عشر الميلادي، بل التفت أيضاً إلى مرحلة ما بعد الاستعمار وتوقّف عند أسباب الفشل الاجتماعي والاقتصادي، وما استتبعها من حروب أهليّة وتراجع ثقافي.
لقد تناول أركون النزعة الإنسانية في الثقافة الإسلامية ودعا الإسلام، كما فعل عدد من المفكّرين العرب ومنهم نصر حامد أبو زيد، إلى معانقة الجانب العقلاني والإنساني في الموروث الإسلامي، كما تجلّى منذ نهاية القرن الثامن الميلادي وصولاً إلى القرن الحادي عشر وبداية القرن الثاني عشر، مع مفكّرين من أمثال ابن مسكويه والتوحيدي. واستطاعت تلك الكوكبة من المفكّرين أن تحيي نزعة إنسانية تجمع بين الآداب والتاريخ والجغرافيا الإنسانية والفلسفة، وأيضاً الثقافة الدينية المنفتحة.
ذهب أركون أبعد من ذلك حين رصد المسار التاريخي في الغرب، في المرحلة نفسها، ونظر إلى المدى المتوسّطي بأكمله، ومن خلاله إلى العالم أجمع، داعياً إلى تفعيل الميراث الإيجابي لكلّ الثقافات، وإلى إقرار العدالة والحقوق الإنسانية للشعوب التي لا تزال حتى اليوم تنادي بأبسط حقوقها.