ميشال طوق

"حزب الله" والفشل... توأمان لا ينفصلان!

27 آذار 2021

02 : 00

على الأرجح أنّ كُثُراً سيستغربون هذا العنوان، وآخرين سينتقدون وغيرهم سيتهجّمون ويشتمون، لكن كلّ هذا لا ينفع في إخفاء الحقيقة التي سنسلّط الضوء عليها في بعض المحطّات الفاشلة والكثيرة بمسيرة هذا "الحزب"، الذي استطاع يوماً أن يحكم لبنان، لكن محاولته باءت بالفشل الذريع.

سنبدأ من البيان التأسيسي لهذا "الحزب" في أوائل ثمانينات القرن الماضي، الذي أعلن فيه صراحة بأنّ مشروعه قيام دولة إسلامية في لبنان تابعة ومرتبطة إرتباطاً وثيقاً بولاية الولي الفقيه في إيران ممثّل صاحب الزمان المهدي المنتظر، فوضع بقية اللبنانيين وقسماً كبيراً من الطائفة الشيعية في مواجهة هذا المشروع، فكانت خطوة أقلّ ما يُقال فيها بأنها غرائزية وغير محسوبة النتائج والتداعيات.

وللتخفيف من هذه التداعيات، دأب العديد من مسؤولي "حزب الله" خلال سنين طويلة على نفي أو تجميل هذا المشروع الذي يحملون، الى أن ارتُكب الفشل الأكبر الذي أكّد على هذا المشروع عندما خرج أمينه العام ليؤكد أنّ أموال "الحزب" وسلاحه وأوامره غير القابلة للنقاش تأتي كلّها من إيران، وأنه جندي في جيش الولي الفقيه، لتؤكّد المؤكّد بأنّ مشروع هذا "الحزب" كان ولا يزال وسيبقى، إقامة دولة إسلامية في لبنان تتبع ولاية الفقيه بشكل كامل.

كان "حزب الله" على مدى سنيّ الإحتلال السوري مطواعاً بالكامل لرغبات المحتلّ، ومصلوخاً بالكامل عن كل ما كان يتعرّض له باقي اللبنانيين، وكأنّه يعيش في كوكب آخر، لا تسمع حسّه مهما تعرّض له شركاؤه في الوطن، إلا عندما يتجرّأ أحد على المسّ بحلفائه، وسيأتي اليوم الذي سيلمس فيه "حزب الله" مدى فشله الذريع في مقاربة هذا الموضوع.

عندما إنسحب الجيش الإسرائيلي من الجنوب في عام 2000، نجح "حزب الله" في تصوير هذا الإنسحاب من دون ضربة كفّ، على أنّه إنتصار له ولمِحوره، لكنّه فشل فشلاً ذريعاً في إستثمار هذا النصر في الداخل، واستسلم لغرائزه المذهبية واستبق الإنسحاب الإسرائيلي بالتهديد والوعيد بالقتل والذبح، ما أدّى الى إفراغ معظم البلدات الجنوبية من أهلها الذين لجأوا الى إسرائيل، ولليوم، فشل الجميع في معالجة هذا الموضوع فشلاً ذريعاً.

فشل ذريع آخر تجلّى بعد الإنسحاب الإسرائيلي حيث، عوضاً عن التظاهرات التي كانت تحمل صور نصرالله وتجوب طرقات مُعظم الدول العربية، أصبح "حزب الله" اليوم مصنّفاً إرهابياً وعلى اللائحة السوداء لهذه الدول، ما انعكس بشكل سلبي وكبير على اللبنانيين في تلك الدول، وعلى الشيعة بشكل خاص.

أمّا حرب تموز، فحدّث ولا حرج. من فشل التخطيط والتقدير الى فشل التبرير، مروراً بمئات القتلى وآلاف الجرحى ومئات آلاف المشرّدين والمهجرين ومليارات الخسائر والتدمير الهائل... أعلن "حزب الله" النصر على العدو الغاشم، وخرج نصرالله على مناصريه ليبرّر كلّ ما إقترفت يداه من ويلات، بـ"لو كنت أعلم"!!

فشل ما بعده فشل، لكنّ وجود هذا الفصيل في بقعة من الأرض تحكمها شبه سلطة، سمح له بقلب الحقائق وقلب المقاييس والمعايير من دون أي حسيب أو رقيب.

نصل الى 7 أيار الذي أطلق عليه اليوم المجيد. شكّلت هذه المحطة السوداء في تاريخ "حزب الله" نقطة مفصلية أظهرت الوجه الحقيقي لهذا "الحزب" ذي مشروع السيطرة الشاملة على لبنان. لكن أيضاً وأيضاً، كان الفشل ذريعاً على كافة المستويات، داخلياً وإقليمياً ودولياً وعلى الأرض، حيث تبين أنّ "حزب الله" ليس قادراً على أي سيطرة في المناطق خارج بيئته، مع أنّ مواجهته كانت بالحدّ الأدنى، وبالرغم من ذلك، تكبّد خسائر كبيرة ووقع أفراده في كمائن عدّة... وبعد أيام معدودة إرتضى الإتفاق على وقف النار والأعمال العسكرية.

منذ اللحظة الأولى لإنطلاق الثورة السورية كانت حجّة "الحزب" لتبرير تدخّله الى جانب النظام بأنّه يريد حماية المقدّسات الشيعية، ثم تطوّر الأمر بأنّه يريد أن يحمي سكان الضيع الحدودية الشيعية، ثم بعد ذلك لحماية الداخل اللبناني من "داعش"... لكنّه فشل في إقناع أي أحد بكلّ هذه الحجج، وأصبح كلّ العالم يعرف أنّ تدخّله في سوريا هو بأمر من إيران لمنع سقوط نظام الأسد وخسارة سوريا بالكامل، لكن بالرغم من كلّ التدخّل الإيراني مدعوماً بكل ما توفر من ميليشيات تابعة له، فشلوا في ردع الثورة حتى تدخّل الروسي وأنقذهم من السقوط المدوي.

حتّى بإمساكه بكلّ مفاصل الدولة اللبنانية، من رئاسة الجمهورية الذي أبقى كرسيها فارغاً لسنتين ونصف من أجل إيصال حليفه، الى رئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء وكلّ الوزراء، فشل فشلاً ذريعاً في تقديم أي شيء ولو صغيراً جداً على كافة الصُعد، لا بل رأينا إنهياراً كاملاً وشاملاً لم يشهد اللبنانيون مثيلاً له، انه إنحطاط على كافة المستويات لدرجة أصبحنا في قعر لوائح الدول الفاشلة والفاسدة والمُهترئة.

فشل "حزب الله" فشلاً ذريعاً في تقديم مشروعه كبديل للصيغة اللبنانية، واختبر اللبنانيون ورأوا بأمّ العين، وهم اليوم في عين العاصفة، مدى المآسي التي يمكن أن تنتج عن سيطرة هذا الفصيل الهجين التابع عضوياً لنظام الملالي في إيران، الذي حوّل إيران، من دولة لها مكانتها بين دول العالم المتطوّرة الى دولة فاشلة إرهابية، وحتماً لن يكون أفضل من أوليائه الذين يتلقّى منهم أوامره فينفذها من دون أي إعتراض، وها هي نتيجة سلوكه واضحة مثل ضوء الشمس أمام أعيننا.

هذا غيض من فيض الإخفاقات في مقاربة التركيبة اللبنانية المُنقادة بفكر أيديولوجي ديماغوجي مذهبي متعصّب ماورائي، يسعى للسيطرة على بلدان المنطقة وشعوبها من أجل تحقيق مشروعه اللامعقول واللامنطقي، وبدل أن يسعى الى إستغلال القدرات الكبيرة التي توفرت له ليجمع حوله اللبنانيين ويقدّم نموذجاً رائداً متطوراً وعادلاً لبناء الأوطان، غلب عليه عمى البصيرة والبصر والإدراك، وأدّى الى هذا الفشل الكبير الذي بدأت تظهر بشائره، من العراق واليمن، الى سوريا، وقريباً لبنان.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.