ما معنى أن يموت شخص تحت التعذيب؟ كيف يمكننا أن نسمع أو نقرأ عن شخص "مات تحت التعذيب" ولا تتغيّر نظرتنا كلّيّاً إلى أنفسنا وإلى العالم؟ ولا يتصدَّع حولنا الهواء؟
رافقتني هذه الأسئلة فيما كنتُ أشاهد رسوم الفنان السوري نجاح البقاعي المعروضة الآن في العاصمة الفرنسيّة، وقد وثَّق من خلالها عمليّات التعذيب كما عاشها وعاينها بنفسه داخل أحد السجون السوريّة. واكب المعرض لقاء في "بيت الشعر" في باريس، بالإضافة إلى صدور كتاب عنوانه "كلّنا شهود"، عن دار "آكت سود" الفرنسيّة، ضمَّ رسومات نجاح البقاعي ومساهمات عدد من الكتّاب العرب والأجانب ومنهم، على سبيل المثال: حبيب عبد الرب سروري، سنان أنطون، محمد برادة، دومينيك إدّه، علاء الأسواني، لوران غوديه، نانسي هيوستن، سعاد لبّيز، فاروق مردم بك، وجدي معوّض، عتيق رحيمي، الياس صنبر وسمر يزبك. وجميعهم تناول المأساة السورية كإحدى أكبر المآسي الإنسانيّة منذ الحربين العالميّتين، ومن خلالها ثمّة من تحدّث عن المآسي التي يتخبّط فيهــــا العالم الراهن.
تحكي رسوم البقاعي ومحفوراته المنفّذة بالحبر الأسود، بلغة فنّيّة موحية ومُقتصَدة، عمّا يتعرّض له المساجين داخل تلك السجون. وتأتي هذه الشهادة الجديدة في سياق أعمال أدبيّة وفنّية كثيرة تناولت هذا الموضوع في السنوات الماضية، ومنها كتاب "القوقعة" لمصطفى خليفة الذي تُرجم إلى لغات عدّة، ويروي سيرة شابّ سوري وصل إلى بلده بعد انتهائه من دراسة الإخراج السينمائي في فرنسا، واقتيد مباشرة من المطار إلى السجن حيث أمضى ثلاث عشرة سنة من دون أن يعرف التهمة الموجّهة إليه. أمّا البقاعي فألقيَ القبض عليه إثر مشاركته في التظاهرات المناهضة للنظام بعد سقوط عشرات القتلى في صفوف المتظاهرين. وكُلّفَ مع عدد من السجناء، في فترة ما من اعتقاله، بإنزال جثث المعتقلين من الشاحنات. وتكشف رسومه أهوال التعذيب والموت التي جعلت من السجن الذي وجد نفسه فيه جحيماً يضاهي- بل يتجاوز في أحيان كثيرة- ما ورد ذكره في جحيم الأديان السماويّة، وكذلك في جحيم الكاتب الإيطالي دانتي في "الكوميديا الإلهيّة".
هناك وسائل عدّة لإلغاء الآخر. المقصلة، الرصاصة، الشنق، غُرف الغاز. لكن هناك من يرغب في أكثر من ذلك: تعذيب البشر قبل قتلهم. هناك من يرغب في سحل الذين وقع الاختيار عليهم لأنّهم رفضوا الانصياع للقطيع المأخوذ إلى الذبح. لقتل هؤلاء، لا بدّ من اللجوء إلى الوسائل الأقصى: التعذيب بما هو موت أوّل قبل الموت، وتجريد الإنسان من إنسانيّته، وتشييئه وسلخ جلده، ومَعسه كحشرة، بوحشيّة تكشف عن الوجه الأكثر ظلماً وظلاماً في النفس البشريّة.
القتل الخاطف يُعفي المقتول من الألم ويحرم القاتل من التلذّذ بقتله. الجلاّد يضبط ساعة الموت ويعمل على إطالة أمد التعذيب. هنا، لا بدّ من العذاب الأكبر قبل أن تلفظ الضحيّة أنفاسها الأخيرة. ما يستعرضه الفنان السوري في رسومه يحيلنا إلى مشاهد تعذيب قدّمها المفكر الفرنسي ميشال فوكو في كتابه "المراقبة والعقاب"، الذي يؤرّخ للسجن ويراجع آليات العقاب والعلاقة بين السلطة والجسد. يستهلّ كتابه بفصل عنوانه "جسد المحكوم عليهم"، يستعرض فيه العذابات التي تعرّض لها أحد المُدانين في القرن الثامن عشر، واصفاً الجلاّدين كيف كانوا يتعاطون مع ضحاياهم تعاطيهم مع الحيوانات. وهذا ما يطالعنا أيضاً في كتاب "إنسانيّة ورعب" لحنة آرنت التي تلتفت فيه إلى التجربتين النازية والبولشفيّة مع التركيز على كيفيّة تعاملهما مع المعتقلين داخل السجون. إنّ نجاح نظام الاستبداد، بالنسبة إلى آرنت، يرتبط بمدى قدرته على تطويع الكائنات البشريّة وتدجينها والتعاطي معها كبهائم.
يقول أحد علماء الاجتماع إنّ الإنسان الأوّل ابتكر السجون قبل أن يبتكر حظائر الحيوانات. التاريخ سلسلة جرائم، والعنف لا ينحصر في شعب دون آخر، لكن قلّما وُجدت شعوبٌ كالشعوب العربيّة تُقتَل من الداخل والخارج، بوتيرة لا تتوقّف ولا تهدأ.