هنري سعدالله عيد

"وفي الليلة الظلماء يُفتقدُ البدر"

29 آذار 2021

02 : 00

خلال سهرة 21/11/2020 كنت أستعرض بعض شاشات التلفزة. إذ أطلّ عليّ الإعلامي مرسال غانم في برنامجه "صار الوقت" مستضيفاً معالي وزير الداخلية محمّد فهمي الذي صرّح: أنّ 90% بل 95% من القضاة الحاليين فاسدون.

وفي ظلمة هذه الأوضاع القاتمة، وفي نهاية هذا البرنامج، افتقدت رجل القضاء والعدل يوسف جبران الذي ترأس هذه المؤسسة وقادها سنوات في الطريق القويم، علماً، معرفةً، نزاهةً، جرأةً وتجرُّداً، في هذا العهد الذهبـي الذي كان القاضي عندما يرى نفسه غير قادر على القيام برسالته بصورة كاملة مشرّفة يستقيل معترضاً.

وهذا ما حصل مع القاضي يوسف جبران عندما استقال من منصبه، ومن رئاسة مجلس القضاء الأعلى حين بلغ 64 سنة مع أن القانون يسمح له بأن يتقاعد في سن 68 وقدّم استقالته لوزير العدل ولرئيس الجمهورية، يوم أرادت السلطة السياسيّة التدخل في شؤون القضاء.

إن القضاة الذين يخافون على مواقعهم ومناصبهم لا يمكنهم أن يكونوا متجردين شجعاناً يطبقون القانون بل يُسايرون يتملّقونَ ويتزلفونَ ولا يستقيل أحد منهم مهما كانت الظروف والأسباب الموجبة. فهؤلاء الذين يتمسّكون بوظائفهم تمسّكهم بأرواحهم، سياسيين كانوا أم موظفين أم قضاة، لا يمكنهم إعلاء صوت الحق وصوت الشعب الجريح، الفقير، المشرّد، فلكل واحد منهم زعيم "وقد كثر الزعماء في بلدنا. ولم نعد بحاجة الى زُعماء، كما قال أحدهم، بل الى عظماء" في إدارة الشأن العام وتوزيع العدل.

هذا هو يوسف جبران أحد عظماء بلادنا الشرفاء أمثولة الشجاعة والنزاهة والإنسانية. وبما أن الإناء ينضح بما فيه، فالأحكام التي صدرت عنه تدلّ على أخلاقه ومناقبيته وعلمه ونزاهته، لا يهاب لأي تدخل مهما عَظُم ولا أي مغريات وليس مديناً لأحد. "غنيّ بما إستغنى عنه".

- في أحداث 1958 وإبان الأحداث التي عصفت في لبنان برّأ مهندساً يحمل مسدساً 6 ملم من دون رخصة، في وقت كانت الدولة عاجزة عن ملاحقة السلاح المتفلت في الشوارع وتوقيف المجرمين. فقد طبّق المادة 229 "الضرورة تبيح المحظورة" وتعفي المخالف من العقوبة.

- وسمح أيضاً بشطب المذهب عن الهوية للمحامي سامي الشقيفي لأن دول العالم الراقي لا تجيز ذكر المذهب على هويات مواطنيها، ولأنه لا ضرورة لتسجيل علاقة المواطن بربه بل علاقة المواطن بدولته.

- سنة 1953 نشرت مجلة تابعة للأمم المتحدة حكمه بتبرئة الخوري طانيوس منعم، المستند على حرية الفكر المصونة بالدستور، وشرعة حقوق الإنسان.

وفي محاضرة تاريخية ألقاها في نقابة المحامين في طرابلس 11/4/1970 قال فيها: "إننا في لبنان وكأن عقولنا وقلوبنا أصبحت في جيوبنا. فلم نولِ الانسان أي اهتمام، مع انه هو وحده الكنز الذي لا ينضب والثروة التي لا تفقد والروح التي لا تموت ولا تقوم بدونه مؤسسات وتحيا، والإنسان هو الإنسان المقبل، هو الشباب، هو روح الشباب". وعلى القاضي ليقوم بدوره البطولي في الدعوى، لا يمكن أن يكون ذئباً يعوّي مع الذئاب او موظفاً مهمته تطبيق القانون. وليلعب القاضي دوره بصفاء ذهنٍ يجب ألا يتلقى أوامر، وأن يكون شاعراً بالطمأنينة لا ينتابه خوف، لا يؤدي خدمات كما قال الرئيس Séguier، والعدالة لا تكون عدالة ميزان وعدالة تكافؤ ولا عدالة صيارفة ووازني ذهب بل عدالة عاقلة واضحة أحكامها قابلة للتنفيذ. لا عدالة حسابية لأنها لا تتآلف مع المحبة التي تنقي كل كيل ومقياس مع الله الذي لا حد لقدرته. فقد حكم على امرأة عجوز بغرامة وفقاً للقانون وأعطاها المال لتدفعها. وجاءت ردود الفعل على أحكام القاضي يوسف جبران في الاعلام، نذكر البعض منها:

- "لأول مرّة يصدر عن القضاء اللبناني إجتهاد يكرس شرعة حقوق الإنسان وحريّة الفكر.

- ان احكام القاضي يوسف جبران ترتفع الى مستوى ومرتبة أعرق وأعدل قضاء في العالم.

ورد في ملحق النهار 7/12/1969:

- هل يطلع من جسم هذه الدولة، بعد مثل يوسف جبران الذي شرّف القضاء اللبناني الى أجيال طويلة.

- لم يشعر الشعب اللبناني يوماً في حياته بالكرامة والإعتزاز بمثل ما شعر عندما صدر حكمه الجريء بشطب الطائفة عن الهوية. فنهنئ الشعب اللبناني بالرئيس القاضي يوسف جبران الذي تعودنا منه هذه الوقفات الجريئة النزيهة.

العدل نور أظلم اليوم بالرغم من وجود قضاة لا يزالون يحملون الرسالة، ولكنهم مغلوبون على أمرهم ولم يبقَ لهؤلاء سوى عدم الرضوخ والاستقالة عند الإقتضاء وهذا آخر الكيّ.

إنّ الإستقالة المبرّرة سلاح الشرفاء الذين يأبون الذل والرضوخ لواقع الضغوطات. والقاضي الفاسد الذي باع وسُلب منه شرفه وقيمه أصبح في الهوان معزولاً منفرداً في مجتمعه لا قيمة لحياته.

ورغم الرؤية السوداء لا نزال نأمل بقمرٍ يسطع نوره فيبدد الفساد وإننا لم نفقد الثقة والرجاء بقضائنا وسيبقى حرّاً مستقلّاً فالعدل أساس الملك، وإن هذه المؤسسة ستصمد أمام كل الأنواء والعواصف والأعاصير وستبقى حرّةً مستقلّةً لا تخضع لأي سلطةٍ أو أي طبقةٍ سياسيّة حاكمة ومصالحها ولا لغيرها.

فكم قاسى بلدنا ومشى على حافة الهاوية والإنهيار كما قيل، لكنه لم يسقط وعاد ناهضاً بمؤسساته وثقة شعبه وسار الى لبنان مُعافى مزدهراً، حكاية التاريخ، بدعاء الأبرار والقديسين.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.