بعد ساعات على المفاجأة المدوّية التي فجّرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بإعلانه إلغاء لقاء وشيك كان مقرّراً سرّاً مع قادة حركة "طالبان" الأفغانيّة في كامب ديفيد ووقف "مفاوضات السلام" مع الحركة الإسلاميّة، لمّحت واشنطن إلى أنّ باب المفاوضات لم يُغلق نهائياً، في حين هدّدها المتمرّدون بأنّها ستكون أكثر المتضرّرين من وقف المفاوضات.
وكشف ترامب أمس الأوّل أنّه كان من المفترض أن يلتقي قادة "طالبان" الرئيسيين، وبشكل منفصل، رئيس أفغانستان أشرف غني، بشكل سرّي أمس في كامب ديفيد. وكان هذا اللقاء غير المسبوق، سيُعقد قبل أيّام من الذكرى الثامنة عشرة لاعتداءات 11 أيلول الإرهابيّة، التي أدّت إلى الاجتياح الأميركي لأفغانستان بهدف إسقاط نظام "طالبان"، الذي كان يأوي تنظيم "القاعدة".
ويُعدّ مجرّد طرح إمكان عقد مثل هذا اللقاء وجهاً لوجه، تأكيداً لـ"ديبلوماسيّة القمّة" التي ينتهجها ترامب في مختلف الملفات على الساحة الدوليّة. وكتب الرئيس الأميركي على "تويتر": "كانوا في طريقهم إلى الولايات المتّحدة هذا المساء، لكن ألغيتُ الاجتماع على الفور وألغيت مفاوضات السلام". وأوضح مبرّراً قراره أنّ "طالبان" اعترفوا باعتداء في كابول أسفر عن مقتل أحد "جنودنا العظماء" و11 شخصاً آخر، سعياً منهم إلى تكثيف الضغط، متسائلاً: "أيّ نوع من الناس يقتلون هذا العدد من الأشخاص من أجل تعزيز موقعهم التفاوضي؟"، وتابع: "لم يُحققوا ذلك، بل جعلوا الأمور أسوأ".
وأضاف الرئيس الجمهوري: "إن لم يكن باستطاعتهم قبول وقف إطلاق نار خلال مفاوضات السلام هذه البالغة الأهميّة، وهم في المقابل قادرون على قتل 12 شخصاً بريئاً، فهم على الأرجح لا يملكون الوسائل للتفاوض على اتفاق مجد"، متسائلاً أيضاً: "على مدى كم من العقود يُريدون الاستمرار في القتال؟".
وفي كابول رحّبت الحكومة الأفغانيّة بقرار ترامب. وأعلن الرئيس الأفغاني في بيان أنّ "الحكومة الأفغانيّة، في ما يتعلّق بالسلام، تُقدّر جهود حلفائها الصادقة، وهي ملتزمة العمل مع الولايات المتّحدة وغيرها من الحلفاء لتحقيق سلام دائم". وتابع: "لطالما شدّدنا على أن السلام الحقيقي لا يُمكن تحقيقه إلّا إذا توقّفت "طالبان" عن قتل الأفغان ووافقت على وقف إطلاق النار وعقد محادثات مباشرة مع الحكومة الأفغانية".
من جهتها، سارعت "طالبان" إلى التنديد بقرار ترامب، مراهنةً على أنّه سيعود عنه. وحذّرت الحركة، واشنطن، من أنّها "في حال لم تتراجع عن قرارها وقف المفاوضات، فإنّ أميركا ستُعاني أكثر من أيّ طرف آخر، وستتضرّر صدقيّتها وستزيد خسائرها البشريّة والماليّة".
وبالفعل، فقد أكّد وزير الخارجيّة الأميركي مايك بومبيو أنّ بلاده لا تستبعد استئناف المفاوضات مع "طالبان"، بشرط أن "تُغيّر سلوكها وتحترم تعهّداتها". كما أشار إلى أن الرئيس الأميركي لم يُقرّر بعد ما إذا كان سيمضي قدماً في قراره سحب آلاف من الجنود الأميركيين من أفغانستان، وفق ما نصّ عليه مشروع اتفاق تمّ التفاوض في شأنه مع "طالبان". ودعا بالحاح إلى تنظيم اجتماع مباشر بين الحكومة الأفغانيّة و"طالبان"، الأمر الذي ترفضه الحركة الجهاديّة حتّى الآن. وحذّر كذلك من أنّه "إذا لم يتصرّف متمرّدو "طالبان" بشكل أفضل ولم يحترموا التعهّدات التي قطعوها معنا، فإنّ ترامب لن يُخفّض الضغط ولن نُقلّص دعمنا لقوّات الأمن الأفغانيّة".
وكانت المحادثات على وشك التوصّل إلى اتفاق يسمح ببدء سحب القوّات الأميركيّة البالغ عديدها 13 إلى 14 ألف عسكري تدريجياً من أفغانستان، لقاء تبرّؤ "طالبان" من تنظيم "القاعدة" وتعهّدهم بمحاربة تنظيم "داعش" وعدم تحويل أفغانستان إلى ملاذ آمن للجهاديين، إضافةً إلى دخولهم في مفاوضات سلام مباشرة مع سلطات كابول، وهو ما كان المتمرّدون يرفضونه حتّى الآن. لكنّ الرئيس الأفغاني المعترف به دولياً، انتقد علناً الاتفاق الذي توصّل إليه الجانب الأميركي مع "طالبان".