إيفون أنور صعيبي

ليس بالتملّك وحده يسكن الإنسان(2)

10 أيلول 2019

يجيز القانون رقم (118/1977) للبلديات سلطة تأمين مأوى ضمن نطاقها الجغرافي

تشكّل البلديات بوصفها هيئات مستقلة العمود الفقري للامركزية الادارية، وهي تجمع في نطاقها البلدي ومن ضمن صلاحياتها غير المحدودة قدرة تدخّل فعلية إنمائية وتنموية تتخطى الاعمال التقليدية والروتينية لتصل الى حدود نيل الاعتمادات وتوفير السكن بأسعار الكلفة لابنائها.

لكنّ الصراعات المحلية والحزبية والمناطقية لا تنفكّ تؤكد غياب "الانماء البلدي" اقتصادياً واجتماعياً ومعيشياً وحتى سكانياً عن ملف يطاول حياة عشرات آلاف اللبنانيين. ففي وقت تتجه فيه غالبية الدول المتقدمة الى تطوير سبل الاستفادة من دور البلديات الى أقصى الحدود، يُراد لها في لبنان ان تهتم حصراً بإنارة الطرق وتجميل الشوارع بالأشجار... وشراء السيارات اللازمة لها بالاضافة الى المعدات الثقيلة!

لكن، هل تعلمون ان "القانون" قد أعطى البلديات صلاحيات غير محدودة بدءا من ادرارة الثروات الطبيعية كالنفط والغاز مرورا بحقها بـ"الاقتراض" لتنفيذ مشاريع انمائية، وصولا الى سلطة تأمين مساكن؟

نعم، يجيز القانون رقم (118/1977) للبلديات سلطة تأمين مأوى ضمن نطاقها الجغرافي. وتجيز المادة 62 للبلديات حق الاقتراض شرط الحصول على موافقة وزير الداخلية، كما ان المادة 86 من القانون عينه التي تعدد عائدات البلدية تذكر القروض على انها جزء من عائداتها، والمادة 49 تشير الى ان المجلس البلدي يستطيع الاقتراض من مصادر مختلفة لتحقيق مشاريع معينة، بما انه سلطة تنفيذية تتمتع باستقلالية مالية، لكن المشكلة التي تعانيها البلديات في موضوع الاقتراض هي عدم وجود آلية واضحة، اضافة الى رفض سلطة الرقابة اعطاء الاذن بالاقتراض خوفاً من تداعياته المالية على البلديات في ظل غياب هذه الآلية، ما أدى الى اللجوء الى شركات خاصة تتقدم بطلب القرض باسمها بموجب عقد تبرمه البلديات معها.

الملكية العامة نوعان: الممتلكات العامة للدولة والتي ينظمها المرسوم رقم 144والمخصصة وفقا لطبيعتها للخدمات العامة (كالطرقات والشواطئ...) وممتلكات الدولة الخاصة التي ينظمها المرسوم رقم 275 والتي يمكن ان تكون اراضي مطورة او غير مطورة وهي ليست صالحة بطبيعتها للخدمات العامة ويمكن ان تكون مملوكة من البلديات.

لكن مع غياب ارقام محدّثة، يرتكز عدد المشاعات التي تعود الى البلديات على التقديرات، غير ان المؤكد ان عددها كبير ويمكن الاستفادة منها لو وُجدت النيّة لذلك طبعا. اذا، تخيلوا لو قامت كلّ بلدية ضمن نطاقها الجغرافي بتأجير مشاعاتها لقاء بدل رمزي لبناء تعاونيات او مشاريع سكنية، حيث يخصم من السعر كلفة الارض، هذا ان لم ترغب هي بتشييد المساكن. تتسبب تكلفة السكن المرتفعة في لبنان بالعديد من المشاكل خصوصا بالنسبة للشباب الذين يجدون أنفسهم غير قادرين على امتلاك منزل. في هذه الحالة يمكن ان يكون الإيجار أو حتى الايجار التملكي خياراً مناسباً الى جانب تفعيل تعاونيات الإسكان (دور البلديات) بالاضافة الى الاستفادة من الأراضي العامة والمشاعات وحتى الاوقاف العائدة للمؤسسات الدينية كأصول اجتماعية. فكلما انخفضت الأسعار المنوطة بالسكن، تحسن مستوى المعيشة. وفقا لادارة الإحصاء المركزي عن دراسة حول انفاق الأسر، يمثل الانفاق على السكن حوالى 25.6% من مجمل قيمة الانفاق السنوي. ومن الممكن ان تبلغ هذه النسبة 45% للفئات المنخفضة الدخل وهذه الارقام مرتفعة قياساً بالناتج المحلي.

يضع المرسوم 17199 تاريخ 18/8/1964 التعاونيات السكنية حيّز التنفيذ. بحسب القانون، فان التعاونيّة مؤسّسة يمكن أن تتألف من 10 عناصر على الأقلّ، مع نيّة العمل المشترك لتحقيق هدف معيّن، عبر استملاك قطعة أرض أو ملكيّة وبناء مشروع سكنيّ للأسر ذات القوى المالية المحدودة. تتمتّع هذه المؤسّسة برأسمال ثابت تغذّيه مشاركة أعضائها ومختلف الإعفاءات الضريبيّة. لا يمكن أن تكون الوحدات السكنيّة ملكيّةً فرديّةً، فتُعتبر خارج السوق العقاريّة، وتبقى ملك التعاونيّة. ويفرض نقص التمويل المتوفر لدى المؤسسة العامة للإسكان تحدياً أكبر لهذا المسعى. ويمكن أن تيسّر البلديّات بشكل كبير مبادرات إنشاء تعاونيّات، ولا سيّما تلك التي تتمتّع بمصادر تمويل كثيرة، أو في مناطق يمكن أن تخصّصها لتأسيس المشروع. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تشكّل الأراضي العامّة التي تملكها الدولة منصّةً لبناء الإسكان الاجتماعيّ. تكمن ميزة تدخّل مماثل في واقع أنّ تكلفة البناء أقلّ من قيمة السوق إذ انّ سعر الأرض ليس مدموجاً في تكلفة البناء.

ان لم ترد الدولة ايجاد حلول عملية لآلاف العائلات الباحثة عن مأوى، فلماذا على الاقل لا تفوّض البلديات التي أعطاها القانون سلطة اللامركزية الادارية لتقوم بالتسهيلات اللازمة التي تمنع تشريد كلّ من يفتقر الى القدرة على "الاستملاك"؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.