قضت الأزمة المعيشية على عادات الشهر الفضيل، فبين مقارعة الناس لوباء "كورونا"، وصراعهم مع ارتفاع الأسعار، سقطت عادات رمضان بضربة الفقر القاضية، اذ غابت الزينة وكل الموروثات الشعبية. حتى بسطات الليمون التي عادة ما تنشط من قبل الشباب اختفت، فكيلو الليمون سجل سعر 8000 الى 10 الاف ليرة، ما يعني أنّ سعر القنينة سيصل الى 20 الف ليرة، وهو سعر خارج عن قدرات الناس هذه الأيام. ليست بسطات الليمون التي اختفت فحسب، بل ايضاً بسطات الجلاب والتمر هندي، فالناس ابتعدت عنهما لارتفاع سعريهما بشكل خيالي، وفضّلت التمر عليهما.
يبدو ان الاوضاع الاقتصادية فرضت نفسها على الشهر الكريم، جاوزت "كورونا" بأشواط، فـ"كورونا" بنظر الناس حجر وقتي، أما الغلاء فهو حبس مؤبّد للفقراء، فأين تقع موروثات الشهر من يوميات المواطن؟
إنتظر الناس زينة الشهر الفضيل، علّها تذكّرهم بعادات وموروثات رمضان، غير أنّ انتظارهم خاب، فالظروف المعيشية الضاغطة والوباء حال دونها، إذ نَسوا معظم موروثات رمضان، وانشغلوا في البحث عن لحم مدعوم مفقود، وسكر بالكاد يتوفر، اما الحليب فأنت وحظك.
عادة كان حي السراي احد اقدم الاحياء في مدينة النبطية يعجّ بالوافدين اليه، فالحي ما زال يحافظ على طابعه القديم، ويستقطب الوافدين اليه لرؤية الزينة والاطلاع على موروثات رمضان، غير أنّ الهدوء وحده يصاحب الزائر اليه هذا العام، فلا حركة ولا بركة، حتى الحلويات الرمضانية التي عادة ما كان يشتهر بها معظم باعته، غابت وجرى استبدالها بحلويات بيتية كالسحلب والزلابية، نظراً لرخص ثمنها، فالناس لم يعد بمقدروها تحمّل مصاريف اضافية. عند مدخل الحي يقع أقدم فرن يعدّ مشاطيح رمضان، وينشط فرن اللوز في إعداده، اذ يرتبط بعادات رمضان، ويزداد الطلب عليه كثيراً، غير أنّ هذا العام تبدّلت الاحوال، فالمشطاح الذي كان يباع بـ1500 ليرة بات بـ5000 ليرة، وهو ما حدّ من عملية شرائه من قبل الاهالي، وِفق ما يؤكد صاحب الفرن الذي يعيد ارتفاع سعره الى ارتفاع اسعار المواد الاولية لاعداده، من الزيت والسكر والمحلب وخلطة المشطاح السحرية كما يقول ابو علي، لا يخفي أنّ الظروف المعيشية أثّرت على الطلب، ولكن ما زال هناك من يطلبه لمذاقه الشهي، يكفي انه من موروثات رمضان العتيقة، التي تذكر الناس بزمن المحبة والامان الاجتماعي.
داخل الحي ما زال علي راضي أحد أقدم الحلونجيين يواظب على إعداد السحلب للسحور، لم يتخلّ عن هذه العادة رغم ارتفاع ثمن الحليب، لانه من عادات الشهر الفضيل، غير انه اضاف الى لائحة حلوياته الزلابية، وهي حلوى بيتية عادة ما كانت تعدّها ربات المنازل في ما مضى، وتحديداً في شهر رمضان، ونتيجة الوضع الاقتصادي الحالي، عادت هذه الحلوى الى الواجهة، اذ احتلّت مكان الشعيبيات وزنود الست التي سجّلت رقماً قياسياً 50 الف ليرة للدزينة، في مقابل كيلو الزلابية الذي يبلغ سعره 20 الف ليرة، وهو يكفي لعائلتين وِفق ما يقول المعلم راضي الذي ينشغل في اعداد الزلابية حفاظاً على ماء وجه الشهر الفضيل على حدّ قوله.. يقول المعلم راضي إن الناس مخنوقة اقتصادياً، يكفي ان تنظر الى هدوء حركة الشوارع لتدرك حجم المعاناة وكما يقول "الناس ما معها تاكل كيف بدها تجيب حلو".
عند ناصية الطريق في الحي يجلس ابو يوسف بصحبة أبو عباس، يتحسّران على واقع الحال، لم يمرّ رمضان مماثل عليهما، يتذكّران كيف كانت سهرات الشهر الكريم وضيافته، اليوم بأي حال يعود رمضان؟ يقول أبو يوسف. لم يعد بمقدور أبو عباس لمّ شمل العائلة، فأقلّ افطار يحتاج الى ميزانية شهرين وأكثر، ليس "كورونا" ما فرّق جمعات الاهل فحسب بل الضائقة المعيشية، يؤكّد أبو عباس انه "لم يعايش ظروفاً مماثلة، حتى في زمن الاحتلال كانت الاموال متوفرة، اليوم لم يعد اي شيء متوفراً لا لحم، لا دجاج، لا سلع غذائية، حتى الخضار باتت للميسورين فقط، فكيف نكمل الشهر"؟ رحم الله رمضان، هي عبارة ردّدها أبو احمد، وهو يسلك طريقه باتجاه الفرن لشراء مشطاح رمضان، تسأله عمّا يفتقده في هذا الشهر فيصمت قبل أن يجيب "نفتقد الرحمة لأنّ التجار يأكلون لحم الفقراء والأخيرون يتألمون على حالهم المأسوي، اذ لم تُعايش منطقة النبطية واقعاً مماثلاً كهذا". يسأل الجميع عن دور نواب المنطقة في هذه الازمة، لماذا لا يتحرّكون لكبح جماح التجار ليمضي الناس في صيامهم بسلام، غير ان ابو احمد يؤكّد انّ أحداً لا يأبه.