تغنّى العراقيون بحضارة بلاد الرافدين الضاربة في التاريخ، والتي تُعتبر من أولى الحضارات القديمة، ولم يتوقعوا يوماً ما أصاب وطنهم من كوارث أطاحت بمرتكزاته إلى أن انهار نظام صدّام حسين، وأغارت الدواعش على مدنه تقتيلاً وتدميراً، وسقطت بدائل الحكم فيه، وفشل الغزو الأميركي في تحقيق نظام ديموقراطي فيدراليّ تتعايش في ظله جميع مكوّناته.
في أثناء تلك الظروف المريرة وما سبقها، كان الصحافيّ غسان شربل، المقدام عند الملمّات، يعقد الخلوات مع المسؤولين المدنيين والعسكريين، ويحاور الزعماء في الداخل وفي المنافي إلى أن تجمّعت لديه أحاديث وروايات تلقي الأضواء على الكثير من مجريات الأحداث.
نشر غسان شربل ما احتوته أوراقه في كتاب سمّاه "زيارات لجروح العراق". وهي زيارات لجروح مفتوحة وليست لأشخاص أو لأمكنة، فمن يعرف أمجاد العراق، ومن تمتّع بطبيعته الخلابة، ومن عاشر أهله الكرام كما فعل غسان شربل، كيف له ألا يتأثر بعد ما شاهده من مآسٍ ضربت الحجر والبشر؟ لقد وقع الصحافي في حبّ البلاد التي تابع آلامها، ولا غرابة فطالما اعتبر الصحافيون "أنّ هذا البلد الغني بموارده الطبيعية وطاقاته البشرية سيكون قاطرة للنهوض العربي يوم يتخلص من النظام الذي قاده الى أكثر من محاولة انتحار".
استهلّ الصحافيّ العريق حواراته مع جلال طالباني، الأمين العام لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وأول رئيس جمهورية كردي للعراق بعد إطاحة نظام حزب البعث، وقد امتدّت رئاسته حوالى عشر سنوات.
وطالباني لاعب سياسي بامتياز سلك طريق طهران ودمشق بحثاً عن الدعم والسلاح، وتعاطى مع الفلسطينيين في بيروت، وأدّى دوراً أساسيّاً في دفع واشنطن وطهران على التحاور حول استقرار العراق بعد فشل المعارضة في الاتفاق على حكومة لأسباب مذهبية، وكان هذا الفشل من دواعي ما حصل لاحقاً من أحداث وتطورات.
يغوص شربل في الحوار متنقلاً من محطة إلى أخرى، باحثاً عن أدق التفاصيل في مسيرة طالباني، وإذ بالأخير يكشف له عن أسرار عدة، ويخبره عن أحاديث هامة كانت تدور بينه وبين سائر المسؤولين والزعماء العرب والأجانب، ولم يخفِ ترحيب الإيرانيين وتأييدهم إسقاط صدام حسين على أيدي الأميركيين، وأن أحد رجال الدين الكبار في كردستان العراق قال إن الله أوحى إلى بوش أن يذهب لتحرير العراق من الديكتاتورية فذهب محققاً هذه الإرادة. وقد ذكر أيضاً، في محاضرة له في لندن، أن الجيش العراقي يتحضّر لغزو الكويت فلم يصدّقه أحد واعتبروا أنه يبالغ في تقديره وهذا ليس في مصلحة المعارضة.
يطوي الصحافيّ الحوار مع طالباني ليبدأه مع هوشيار زيباري وزير خارجية العراق الذي تولّى مهمّة إعادة بلده الى حضن الجامعة العربية والمنظمات الدولية في مرحلةٍ تعمّق فيها الانقسام دوليّاً وإقليميّاً وعراقياً، وكان عليه أن يبادر، على الرغم من عدم استساغة بعض الجهات كونه كرديّاً.
ثمّ ينتقل الحوار إلى رئيس الوزراء نوري المالكي الذي اتخذ أصعب القرارات لإنقاذ الدولة من سيطرة الميليشيات، فاجتثَّ حزب البعث المتواطئ مع "القاعدة" ومع المنظمات المتطرفة الأخرى، ودعا إلى الإبتعاد عن سياسة المحاور لأنها أدّت إلى انهيار الوضع العربيّ. ولا يخفي المالكي من خلال تنوّع الحوار معه إعجابه بجمال عبد الناصر سياسيّاً، وبأبي الطيب المتنبي شاعراً حكميّاً.
تُظهر متعة المعرفة التي يقدّمها الكتاب ما للمؤلّف من اطّلاع واسع على التاريخ السياسي للمنطقة، وما يتعلّق بها من الميادين الجغرافية والاجتماعية. نصل معه إلى رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي أكد أن بغداد باتت خارج خطر تنظيم "داعش"، وأنّ سُنّة العراق هم أول المتضررين من حروب هذا التنظيم. وكشف العبادي في حواره أنّ السلطات العراقية تمنّت على أميركا وإيران بألّا يصبح العراق مسرحاً للخلافات بينهما على أمل الوصول إلى اتفاق حول الملفّ النوويّ.
في خلال بحث شربل عن سيرة وديع حدّاد استوقفه اسم حامد الجبوري الذي شارك الى جانب حداد وحبش وآخرين في تأسيس "حركة القوميين العرب". وقد عُيّن لاحقاً وزيراً لشؤون رئاسة الجمهورية، وأقام في القصر ليكون على علاقة مستمرة مع الرئيس أحمد حسن البكر، ثم تقلّب في المناصب ليصبح وزير الدولة للشؤون الخارجية في عهد صدّام قبل انتقاله إلى المعارضة. ويعتبر الجبوري أن صدام هو "صانع الكارثة" التي حلّت بالوطن.
رهافة الأسلوب والجرأة في طرح الأسئلة تجعل القارئ منصرفاً بكليته الى الغوص في الكتاب بحثاً عن مزيد من التفاصيل المشوقة فيعود بنا الكاتب مع عبد الغني الراوي إلى زمن الرغبة في التغيير يوم خطط لاغتيال الوصي عبد الإله ونوري السعيد ومشاركته في ثورة 14 تموز. ومن بعدها ترأس المحكمة التي أمرت بإعدام عبد الكريم قاسم. ودارت الأيام إلى أن لفظت محكمة خاصة عام 1970 حكماً غيابيّاً بالإعدام بحقّ عبد الغني الذي كان مقيماً في طهران: وما يرويه في هذا الحوار يشكل إضافة هامة تسهم في شرح الزمن المضطرب الذي أنجب صدّام حسين.
ولعلّ في العودة إلى الزمن الماضي منفعة تتجلّى في معرفة الأسباب الكامنة وراء ما وصل العراق إليه. ويقال إن لولا الخطأ الذي ارتكبه قائد الحرس الجمهوري ابراهيم الداود بفتحه أبواب القصر لما نجح البعثيون في إسقاط عبد الرحمن عارف والعودة إلى السلطة. التزم الداود بعدها الصمت إلا أن غسان شربل أخرجه عن صمته في حوار شمل محطات كثيرة عاشها وشارك فيها.
خاتمة الحوارات الشيّقة مع عزيز محمد الذي تولى قيادة الحزب الشيوعي في مطلع الستينات وأمضى 29 عاماً في موقعه. يفضل عزيز العمل في الظلّ على الإطلالات الإعلامية، ولم يسبق له أن تحدّث عن تجربته الطويلة، لكنه يروي في هذا اللقاء قصة الرحلة العراقية الدامية بين البعث والشيوعيين في السلطة وفي جبهة وطنية أعقبتها مطاردة مريرة للشيوعيين.
لم يصرّح غسان شربل في كتابه أنّ العراقيّين كانوا السبب الأول في اغتيال وطنهم، بغضّ النظر عن سائر المخططات الأجنبية والعربية، لكن الوقائع التي عرضتها حواراته تشهد على ذلك. فهل يتعظ الشعب العراقي وزعماؤه، بعد كل ما حلّ بوطنهم، فيتعاونون على إقامة "عراق ديموقراطي فيديرالي تتعايش فيه جميع مكوّناته في ظل دولة القانون وعلى قاعدة التساوي في الحقوق والواجبات؟".
قد لا نصل الى الجواب الشافي قريباً ولكن مما لا شكّ فيه أن المؤلف الذي بين يدينا يحمل من القصص والحكايات والاحداث ما يجعلك تفهم الطابع المتقلّب والخطير لأوضاع العراق. باختصار هو كتاب يحمل في دفتيه الكثير من التفاصيل والاسرار عن اللاعبين بمصير بلاد الرافدين ولا بدّ من قراءته ممن يستهويه الشطرنج السياسي ويعشق لعبة الأمم.