جاد حداد

التنكّس البقعي في العيون... هل يمكن تجنّبه؟

7 دقائق للقراءة

أحرز العلماء تقدماً كبيراً على مستوى فهم ومعالجة التنكس البقعي المرتبط بالسن، وهو أول سبب لفقدان البصر في عمر الخمسين وما فوق. يبدو أن الجينات والعوامل المرتبطة بأسلوب الحياة تزيد خطر الإصابة بالتنكس البقعي، وقد اكتشف العلماء علاجات قادرة على إبطاء تطور المرض في معظم الحالات.

لكن رغم التقدم الحاصل، ما من طريقة مضمونة بعد لتجنب التنكس البقعي. قد تصبح أكثر عرضة لهذا المرض إذا كان أحد والديك مصاباً به. تقول الدكتورة جوان ميلر، رئيسة قسم طب العيون في مركز "ماساتشوستس" للعين والأذن وفي كلية الطب التابعة لجامعة "هارفارد": "قد تكون هذه العوامل مقلقة، لكنها لا تعني تلقائياً أنك ستصاب بالمرض. التنكس البقعي مرض معقد وهو يحتاج إلى خليط من العوامل كي يتطور".

ما هو هذا الداء؟

يقضي التنكس البقعي على بقعة العين، أي الجزء المحوري من الشبكية: إنها طبقة من الأنسجة الواقعة في الجهة الخلفية من العين، وهي تُحوّل الضوء إلى إشارات كهربائية. تُرسَل تلك الإشارات إلى الدماغ ويُحوّلها هذا الأخير إلى صور.

ثمة نوعان من التنكس البقعي المرتبط بالسن ويُضعِف كلاهما وضوح الرؤية المركزية أو يُشوّشها، حتى أنهما قد يمحوان الصور في مركز الرؤية.

عند الإصابة بالنوع الجاف من التنكس البقعي، وهو الأكثر شيوعاً بين المرضى، تتراكم رواسب دهنية وبروتينية اسمها "دروسين" ببطء وراء شبكية العين، ما يؤدي إلى تراجع سماكتها وتدمير الخلايا الحساسة تجاه الضوء في بقعة العين. نتيجةً لذلك، يخسر المريض بصره.

مع تطور المرض، قد تدفع تلك الرواسب الأوعية الدموية الجديدة وغير الطبيعية إلى النمو تحت البقعة وفي داخلها. سرعان ما تتسرب الأوعية الدموية وتنزف، ما يؤدي إلى تضرر خلايا المستقبلات الضوئية وتندّبها وفقدان البصر. تشير هذه الحالة إلى النوع الرطب من التنكس البقعي.

خطوات لوقف تطور التنكس البقعي

تختلف طرق معالجة نوعَي التنكس البقعي. يمكن إبطاء النوع الجاف أحياناً. ترتكز أفضل مقاربة على خليط من المغذيات المضادة للأكسدة (الفيتامينان C وE، والنحاس، واللوتين، والزياكسانثين، والزنك). تسمح عناصر هذه التركيبة بمحاربة الجذور الحرة والجزيئات الوافرة التي تُسبب الإجهاد التأكسدي في الشبكية. تكشف الدراسات أن هذه التركيبة قد تكبح تطور النوع الجاف من التنكس البقعي المرتبط بالسن بنسبة 25%.

في المقابل، يمكن اتخاذ خطوات إضافية لكبح النوع الرطب من المرض. يُعتبر علاج عامل النمو البطاني المضاد للأوعية الدموية الأفضل في هذا المجال حتى الآن. يشير هذا العامل إلى جزيئة مسؤولة عن نمو أوعية دموية صغيرة وجديدة في أماكن لا تحتاج إليها (مثل بقعة العين). عند أخذ العلاج المضاد له، يحقن الأطباء أدوية في العين لإعاقة مفعول ذلك العامل، ما قد يؤدي إلى تراجع تسرّب الأوعية الدموية ومنع نمو أوعية جديدة في العين، أو حتى استرجاع جزء من البصر المفقود.

لمعالجة النوع الرطب من التنكس البقعي، يقضي خيار آخر باللجوء إلى جراحة الليزر لإغلاق الأوعية الدموية المتسرّبة في العين.


علاجات واعدة


تخضع علاجات كثيرة أخرى اليوم للدراسة أو ستصبح قيد الاختبار قريباً:

العلاج بالخلايا الجذعية: هذا العلاج يستبدل خلايا الشبكية المتضررة بخلايا جذعية تتحول إلى خلايا بديلة في الشبكية.

العلاج الجيني: هذه المقاربة تُدخِل جينات جديدة إلى العين لمساعدة الشبكية على إنتاج البروتينات القادرة على وقف نمو الأوعية الدموية غير الطبيعية.

العلاج بأدوية الستاتين: قد تتمكن أدوية الستاتين المستعملة لتخفيض مستويات الكولسترول وتخفيف الالتهابات من سحب الدهون السيئة من الشبكية. توضح ميلر: "لقد أجرينا دراسة تجريبية صغيرة، فتبيّن أن كمية كبيرة من رواسب "دروسين" اختفت لدى نصف المصابين بالتنكس البقعي تقريباً بعد أخذهم جرعة مرتفعة من الستاتين ولم تتدهور حالة أي منهم. اقتصر عددهم على 10 من أصل 23 مريضاً. لكننا أصبحنا أكثر اهتماماً اليوم باستكشاف هذا الجانب. وفق هذه النظرية، قد نتمكن من إرجاع الزمن إلى الوراء بمعدل عشر سنوات".

معالجة "الالتهام الذاتي" في الشبكية: يشير الالتهام الذاتي إلى عملية طبيعية حيث تتخلص الخلايا من المخلفات أو المواد المتضررة في داخلها. لا تعطي هذه العملية مفعولها في خلايا الشبكية عند الإصابة بالتنكس البقعي المرتبط بالسن. لا تزال الدراسات مستمرة اليوم لاستكشاف هذا الموضوع.

محاربة الالتهاب: قد تتراكم الدهون بطريقة غير طبيعية، ما يؤدي إلى إطلاق استجابة التهابية مزمنة وقادرة على تدمير الأنسجة. تدرس مجموعات بحثية عدة هذه الظاهرة راهناً.

استهداف جهاز المناعة: قد يسيء جزء مناعي اسمه "النظام المُتَمِّم" إلى الشبكية عن طريق الخطأ، وتؤثر هذه العملية أحياناً على نشوء التنكس البقعي المرتبط بالسن. يدرس العلماء راهناً أدوية عدة تُستعمَل لكبح هذا النظام.

تبقى هذه المقاربات أولية وقد لا تنجح في جميع الحالات، لكنها خيارات واعدة. تقول ميلر: "تطوير الأدوية يتطلب وقتاً طويلاً. قد تمرّ عشر سنوات قبل أن يظهر علاج آخر، لكن قد يحصل ذلك خلال وقت أقصر أيضاً".


خطوات لتجنبه


حتى الآن، تقضي النصيحة الوحيدة بتبني عادات صحية لتخفيض مخاطر أمراض العين ومشاكل صحية أخرى.

امتنع عن التدخين: يترافق التدخين مع أضرار كثيرة في أنحاء الجسم، منها زيادة الإجهاد التأكسدي في شبكية العين. قد يؤثر هذا الإجهاد على طريقة تجاوب الأوعية الدموية، وثمة تفاعل على ما يبدو بين التدخين والجينات، ما قد يزيد خطر الإصابة بالتنكس البقعي المرتبط بالسن.

سيطر على ضغط دمك: يسيء ارتفاع الضغط إلى الأوعية الدموية ويزيد خطر الإصابة بالتنكس البقعي. يجب أن تبقى الأوعية الدموية في العين سليمة لأنها تمدّ الشبكية بالمغذيات والأوكسجين وتُبرّد العين وتمنع سخونتها المفرطة حين تُحوّل خلايا الشبكية الضوء إلى إشارات كهربائية.

مارس الرياضة: تسهم التمارين الجسدية في الحفاظ على صحة الأوعية الدموية. حاول أن تُخصص 150 دقيقة أسبوعياً على الأقل للتمارين المعتدلة، مثل ركوب الدراجة الهوائية أو السباحة أو المشي السريع.

اختر حمية مفيدة للقلب: تتعدد العوامل التي تزيد مخاطر التنكس البقعي، منها مرض القلب التاجي، وارتفاع مستوى الكولسترول، والبدانة. لذا ننصحك باختيار نظام غذائي صحي مستوحى من الحمية المتوسطية، ما يعني ضرورة استهلاك كمية كبيرة من الفاكهة والخضار، والحبوب الكاملة، والبقوليات، والمكسرات، والبذور، وزيت الزيتون، فضلاً عن كمية معتدلة من الأسماك والدواجن، وكمية صغيرة من مشتقات الحليب قليلة الدسم.

أضف الخضروات الورقية الخضراء إلى أطباقك: تكون هذه الأصناف غنية باللوتين والزياكسانثين ويتمتع هذان العنصران بخصائص مضادة للأكسدة ويبدو أنهما يسهمان في تحسين الكثافة الصبغية في بقعة العين وحماية الخلايا من الجذور الحرة.


عوامل الخطر


لم تتضح بعد مسببات التنكس البقعي المرتبط بالسن، لكن يعرف العلماء أن العوامل التالية تزيد نسبة الخطر:

• تاريخ عائلي بمرض التنكس البقعي.

• تجاوز عمر الخمسين.

• الانتماء إلى العرق القوقازي.

• حمية غنية بالدهون المشبعة.

• الإصابة بطول النظر.

• الإصابة بمرض في القلب.

• ارتفاع ضغط الدم.

• ارتفاع الكولسترول.

• الوزن الزائد.

• التدخين.

لا تنسَ أهمية فحص العين


أفضل ما يمكنك فعله لإنقاذ نظرك هو رصد أمراض العين منذ مرحلة مبكرة.

توصي "الأكاديمية الأميركية لطب العيون" بفحص العين كل سنتين إلى أربع سنوات بين عمر 40 و55 عاماً، وكل سنة إلى ثلاث سنوات بين عمر 55 و65 عاماً، وكل سنة أو سنتين في عمر الخامسة والستين وما فوق. لكنك قد تحتاج إلى فحص العين في مناسبات إضافية، بحسب وضعك الصحي وعوامل الخطر في حالتك.