رمال جوني

بائع الموسيقى... يستجدي راحة البال

5 أيار 2021

02 : 01

يُخفي غصّته خلف موسيقاه

لم يجد العمّ حسين حاويلي سوى بيع المنجيرة ليعيش، فالظروف الإقتصادية صعبة، السبعيني الذي يعمل سائق سيارة عمومية يرى أنّ "الشوفرة" في لبنان لم تعد تطعم خبزاً، بالكاد ينتج 30 الف ليرة لا تكفي كيلو فخاذ دجاج، فإضطرته الاحوال السيّئة ليعيد المجد لحرفته الأحبّ الى قلبه: صناعة المنجيرة، "أقله أبعث الفرح للناس في زمن التعاسة السائدة"، هذا ما يبادر الى قوله. على الرصيف عند تقاطع كفرجوز يضع العمّ حسين منجيراته المتعدّدة الاحجام على سيارته، فيما يحمل واحدة منها يعزف الحاناً من التراث الشعبي القروي القديم، علّه يستقطب زبوناً عابراً يهوى المنجيرة. غير أنّ الموسيقى لا تستوقف أحداً، ومع ذلك يمضي في عزفه، أقلّه "أذكّر الناس بالتراث كي لا ينسوه". يعتبر أن ما يقوم به يندرج ضمن شقّين: الاول إقتصادي وهو تأمين مورد عمل له، والثاني الحفاظ على التراث من هجمة الحداثة الغريبة.

لا يخفي العمّ حسين غصّته خلف موسيقاه، فهو لم يتقاعد كما كان يحلم، ولم يحظ بسبل الراحة المطلوبة، على العكس، وجد نفسه مرغماً على العمل لتأمين قوته وزوجته المقعدة، يؤكد أنه يحظى بضمان جرّاء النمرة التي يملكها، غير أنّ زوجته "تحتاج الى حفاضات كانت تؤمنها وزارة الشؤون الاجتماعية غير انها اوقفتها وبات الحصول عليها صعباً ومكلفاً جداً، ما اجنيه لا يكفي ثمن شرائها" بغصّة يقول "الظروف صعبة ومعقّدة لا أعرف كيف سنكمل في ظلّ هذا الاهمال والفساد والغلاء". إختار بيع المنجيرة لأنه يهوى الموسيقى، ظن أنها ستكون باب رزق له، والناس تثمّن التراث، غير أنه تفاجأ بلامبالاتها بها، فهمّها لقمة العيش اكثر من أي شيء آخر، ما ترك لديه حرقة قلب، إذ يقول: "إن لم ابع لا أجد لقمة عيش، وإن بعت بالكاد تصل يوميتي الى 30 الفاً من المنجيرة ومثلها من التاكسي وهو مبلغ لا يكفي ثمن كيلو لحم".

كان يعوّل على مساعدة الأربعمئة الف ليرة التي كانت تدفعها الدولة لسائقي السيارات العمومية، غير أن ظنه خاب، لم يطل لا الـ 400 الف ولا الدعم، جلّ ما حظي به هو الوعود التي تبخّرت فيما الدعم "ذهب للمحسوبيات والواسطات" يقول. ساعات طويلة يمضيها العم حسين منتظراً زبوناً ولكن "ما حدا عم يشتري"، معلّلاً السبب "الناس بالها بلقمة العيش مش بالمنجيرة"، قبل أن يضيف "ما ذنبي انا، أعمل لأعيش، أحياناً يمرّ يومان وثلاثة من دون أن أبيع منجيرة واحدة، وهو ما يعود عليّ بالحزن، لأنّ اليوم الذي لا نعمل به نجد صعوبة في تأمين قوتنا". عديدة هي الحالات الصعبة التي يترجمها الشارع، كثر رفضوا مدّ اليد، فضّلوا العمل بأبسط الأعمال علّهم يعيشون "على قدّ الحال"، وعديدة ايضاً هي القصص الموجعة التي تكتبها تلك الحالات، والعمّ حسين واحدة منها، لم يجد دعماً من دولته، حتى الـ400 الف حرم منها، والتاكسي لا تطعم خبزاً في هذا التوقيت في ظل غلاء البنزين وأسعار قطع السيارات، فكلّ عطل طارئ يكلّف 2 مليون ليرة وما فوق، هذا عدا عن الغلاء الفاحش فكيف نعيش وبكرامة؟

يشبّه العمّ حسين البلد بالسفينة المثقوبة التي تغرق، فلا أحد سينجو، معتبراً "أننا ندفع ضريبة فساد حكام هذا البلد"، ويسأل "الى اين نحن متّجهون؟ ويجيب "الى القعر حيث الجحيم". بالرغم ممّا يعانيه يرى بمنجيرته "راحة البال"، فالموسيقى برأيه هي الحياة والراحة، والمنجيرة هي المتنفّس من هموم الواقع وتعقيداته، جلّ ما يطمح اليه أن يعيش بكرامة وهل هذا صعب!!!؟

يمضي العمّ حسين في رحلة كفاحه في بلاد الأرز علّه يصل يوماً الى برّ الأمان، ويستيقظ ذات صباح على لبنان آخر تغيّرت حاله وأحواله، حلم يراود الناس أجمع لأن الكل تعب من واقع الحال.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.