نادراً ما تتابع أشهر الممثلات مسيرتهنّ المهنية بعد عمر الأربعين، لكن بالكاد تلاشى جمال ميشيل فايفر التي تبلغ اليوم 62 عاماً. لا شك في أن جمالها الخارجي ساعدها كثيراً في بداياتها، لكنها لم تتكل عليه يوماً، بل أثبتت موهبتها الكبيرة وحصدت جوائز كثيرة وأكدت بشكلٍ قاطع على أن الجمال والموهبة ليسا نقيضَين.
من المؤسف أن تكون هذه المحادثة عن العمر اعتيادية في هوليوود عند التكلم مع أي ممثلة بعد تجاوزها عمراً معيناً. لكن تحسّن الوضع من ناحية أخرى نظراً إلى توسّع الأدوار اللافتة التي تناسب الممثلات الأكبر سناً اليوم. تعليقاً على الموضوع، تقول ميشيل فايفر خلال مكالمة هاتفية: "نعم، بدأ الوضع يتغير. لن أكون البطلة الجذابة بعد الآن، لكن لا بأس بذلك. لا أظن أنني ما زلتُ أستمتع بأداء هذا النوع من الأدوار أصلاً، لكني ألاحظ أن النساء من أي عمر يملكن اليوم فرصاً متزايدة في هذا القطاع، حتى لو كنّ في الستينات أو حتى السبعينات من عمرهنّ. قد لا تحصل المرأة على دور رومانسي وجذاب، لكن تكثر الأدوار المثيرة للاهتمام راهناً".
تضيف فايفر ضاحكة: "لا أمانع ألا أبدو في عمر الخامسة والثلاثين بعد الآن. ثمة مرحلة انتقالية في كل شيء. لنأخذ الرياضة مثلاً. في فترة معينة، يتمحور كل شيء حول الحفاظ على شكل جميل، لكن يبدأ الشخص بالقلق على صحة دماغه مع التقدم في السن. يترافق عمر الستينات أيضاً مع شعور معيّن بالراحة، مع أن المرحلة الأولى قد تكون مزعجة. يصعب أن نتقبّل هذه العتبة لأننا ندرك حينها أن الوقت المتبقي لنا ليس طويلاً. لكن من الناحية الإيجابية، سنبدأ بتغيير أولوياتنا ونفكر بالمسائل التي تهمّنا فعلاً. يقول كل شخص لنفسه في مرحلة معينة: "أنا أبلغ 60 عاماً. لا داعي لخداع أحد"! لكني أستطيع أن أقول إنني أعبّر عن رأيي اليوم أكثر مما فعلتُ حين كنتُ أصغر سناً. لطالما كنتُ متحفظة وحذرة في مواقفي. لكني قد أطلق مواقف خاطئة رغم حذري، لذا بدأتُ أفكر: ما النفع من ذلك؟ يمكنني أن أعبّر عن رأيي الحقيقي إذا كنتُ معرّضة لمواجهة المشاكل في مطلق الأحوال".
تتكلم فايفر في هذه المقابلة عن أولوياتها أيضاً، فتقول: "أنا أركّز في الوقت الراهن على تمضية الوقت الكافي مع الأشخاص الذين أحبهم (في إشارة إلى ابنتها وابنها). كلما كَبِر ولداي، ألاحظ أنني أستمتع بالصداقة التي تجمعني بهما، وهي علاقة ناضجة بامتياز".
لطالما سمحت فايفر لحدسها بتوجيه حياتها المهنية والشخصية: "لقد دفعتني بوصلتي الداخلية إلى دخول مجال التمثيل منذ البداية مع أنني لم أكن أعرف هذا القطاع، ولم أنشأ في لوس أنجليس، ولم أقابل أحداً من هذا المجال يوماً، ولا شيء كان يشير إلى نجاحي. ثم اكتشفتُ أنني أريد إنشاء عائلة. لطالما أردتُ أن أتبنى الأطفال، لذا قررتُ يوماً أنني تعبتُ من الانتظار. هكذا بدأتُ معاملات التبني".
مسار خاص بها
كانت فايفر قد بدأت بإجراءات التبني حين دخل زوجها المستقبلي، المنتج وكاتب السيناريو ديفيد كيلي، إلى حياتها. وكانت ابنتها كلوديا روز في عمر الشهرَين عندما ارتبط كيلي وفايفر.

على صعيد آخر، تُطلق فايفر دوماً مبادرات خيرية عبر "الجمعية الإنسانية ومجموعة العمل البيئية" في واشنطن، وهي عضو في مجلس إدارتها.
رداً على سؤال حول موقف سابق لها حين قالت إن "التمثيل عمل مجاني لكني أتلقى أجراً مقابل الحملة الدعائية التي أقوم بها"، تضحك فايفر وتهز رأسها تعبيراً عن صحة هذا الموقف حتى الآن، ثم تضيف قائلة: "ربما كان ذلك الموقف مبسّطاً أكثر من اللزوم، لكني كنتُ أحاول التعبير عن فكرة معينة. أنا مقتنعة فعلاً بأن المقابلات الصحافية هي أصعب ما يمكن فعله. هذه المواقف ليست طبيعية بالنسبة إلى الحالة النفسية البشرية، وينطبق هذا المبدأ على المجال كله لأن التمثيل بحد ذاته ليس وضعاً طبيعياً كونه يفرض على الممثل أن يعيش في عالم من الخيال. من غير الطبيعي أن يكتب الآخرون أخباراً عنا، ويدققوا بما نفعله، وينقلوا مواقف خاطئة على لساننا، ويلحقوا بنا وبأولادنا في كل مكان. يسهل أن يؤثر هذا الوضع على نفسيتنا".
تتمتع فايفر بإرادة قوية رغم قلة إطلالاتها العلنية. في العام 1990، حين لم تكن بعد نجمة سينمائية معروفة، أنشأت شركة إنتاج اسمها "فيا روزا برودكشنز" وأنتجت سريعاً الأفلام التالية: Love Field (ميدان الحب، 1992)، Dangerous Minds (عقول خطيرة، 1995)، One Fine Day (يوم جيّد واحد، 1996)، A Thousand Acres (ألف فدان، 1997)، The Deep End of the Ocean (نهاية المحيط العميقة، 1999).
كانت صديقتها المقرّبة كيت غينزبيرغ شريكتها في تأسيس تلك الشركة التي حققت نجاحاً كبيراً طوال عشر سنوات، لكن لم تستمتع فايفر بمختلف جوانب تجربة الإنتاج.
تعليقاً على تلك التجربة، تقول فايفر: "لقد أحببتُ الجزء الإبداعي من هذا العمل، أي تطوير السيناريوات والتعاون مع الكتّاب، لكني لم أحب القسم المرتبط بالشؤون المادية لأنه يخلق تناقضاً بين الجانب الفني والمهني في داخلي، حتى أنني بدأتُ أشعر باحتمال أن أخسر متعة العمل. كانت تلك التجربة مُتعِبة جداً بالنسبة لي".
أصبح عالم الإنتاج حينها أكثر صعوبة بكثير مما كان عليه حين دخلت إلى عالم التمثيل ولعبت دور البطولة في فيلم Grease 2، قبل اختيارها بعد سنة للمشاركة في Scarface (وجه الندوب)، فأصبحت بذلك من أشهر ممثلات الصف الأول خلال الثمانينات والتسعينات. تشمل سيرتها الذاتية أعمالاً أخرى مثل The Witches of Eastwick (ساحرات إيستويك، 1987)، و Dangerous Liaisons(علاقات خطيرة، 1988)، و The Fabulous Baker Boys(أبناء بايكر المدهشون، 1989)، و Batman Returns (عودة باتمان، 1992)، و The Age of Innocence (عمر البراءة، 1993)، و What Lies Beneath (ما يكمن في العمق، 2000)، و White Oleander (الدفلة البيضاء، 2002).
ثم أخذت فايفر استراحة لتربية ولدَيها وملازمة المنزل وعادت إلى الشاشة في العام 2007 للمشاركة في فيلمَي Hairspray (رذاذ الشعر) و Stardust(غبار النجوم). وفي المرحلة اللاحقة، عادت بقوة في أعمال مثل Murder on the Orient Express (جريمة قتل على متن قطار الشرق السريع، 2017)، و The Wizard of Lies (ساحر الأكاذيب، 2017)، و Ant-Man and the Wasp(الرجل النملة والدبور، 2018)، و Avengers: Endgame(المنتقمون: نهاية اللعبة، 2019)، و Maleficent: Mistress of Evil (مالفسنت: عشيقة الشر، 2019)، وأخـــيراً French Exit.
دور غريب
فيلم French Exit هو عبارة عن كوميديا غريبة مقتبسة من رواية تحمل العنوان نفسه للكاتب باتريك ديويت، وهو من إخراج أزازيل جاكوبز. تؤدي فايفر فيه دور وريثة غريبة وصريحة من مانهاتن، فتنتقل إلى باريس مع ابنها (لوكاس هيدجز) وقطتها الأليفة لتمضية بقية أيام حياتها هناك.
تعليقاً على هذا العمل، تقول فايفر: "أحبّ لعب هذه الشخصية: "فرانسيس باريس". نريد جميعاً أن نكون مثلها من ناحية معينة وأن نمضي حياتنا ونحن نعبّر عن رأينا صراحةً".
في نهاية المكالمة، تطرقنا إلى موضوع فيروس كورونا وطريقة تعاملها مع فترة الإقفال التام في آخر 12 شهراً. تقول فايفر: "لم أقابل ولدَيّ كثيراً في هذه الفترة، لكني تمكنتُ من لقائهما خلال الأعياد. كانت تلك اللحظات مدهشة وكنتُ مشتاقة لهما كثيراً لأنهما يقيمان في مدن مختلفة. يعيش كل واحد منهما حياته الخاصة. صحيح أنني أشتاق إليهما طوال الوقت، لكني فخورة جداً بهما ويسرني أن يكونا شخصَين مستقلَين وقويَين".
على غرار عدد كبير من الناس خلال هذه الفترة، اكتشفت فايفر أنها لا تحتاج إلى أمور كثيرة كي تشعر بالسعادة. ورغم ميلها إلى رؤية "نصف الكوب الفارغ" من أحداث العالم، إلا أنها وجدت أخيراً جوانب إيجابية كثيرة في حياتها: "يسهل أن نقع في مستنقع الحياة ونظن أننا نحتاج إلى أشياء مادية أو نقتنع بحاجتنا إلى مسائل إضافية. لكننا ندرك في نهاية المطاف أنها مجرّد أشياء عابرة. أهم في ما الحياة هي الأمور التي لا نستطيع امتلاكها، أي تلك العلاقات والروابط مع الناس. أظن أنه أفضل استنتاج يمكن التوصل إليه هذه السنة. تسود نزعة عامة إلى إدراك أهمية التواصل بين الناس وإيجاد من يهتم بنا".