إنتقام لوكاشينكو

إلى أي حدّ سيتمادى الدكتاتور البيلاروسي في مطاردة المعارضة؟

02 : 01

وقع شابان في قبضة أعدائهما! هما يعرّفان عن نفسَيهما ويذكران جرائمهما في شريطي فيديو تصل مدة كل واحد منهما إلى 30 ثانية. نظر رومان بروتاسيفيتش (26 عاماً) إلى الكاميرا مباشرةً وتكلم بصوت مرتفع وواضح فقال: "أنا أتابع التعاون مع المحققين وأعترف بتنظيم اضطرابات حاشدة في مدينة مينسك". راحت حبيبته صوفيا سابيجا (23 عاماً) تراقب جميع زوايا الغرفة التي تواجدت فيها وبالكاد تحركت شفتاها لتقول: "أنا رئيسة تحرير قناة "كتاب بيلاروسيا الأسود" على تطبيق "تلغرام"، وهي القناة التي نشرت معلومات شخصية حول موظفين في وزارة الداخلية".

إستعرض الدكتاتور ألكسندر لوكاشينكو قوته حين أَمَر بتغيير مسار الرحلة رقم 4978 التي كان الشابان على متنها من أثينا إلى فيلنيوس يوم الأحد الماضي. كان لوكاشينكو مستعداً للمجازفة بمواجهة استنكار عالمي مقابل القبض على بروتاسيفيتش وسابيجا. اعتبر وزير الخارجية اليوناني تلك الحادثة "شكلاً من القرصنة الجوية"، واستنكر رئيس الوزراء البولندي ما اعتبره "عملاً غير مسبوق من إرهاب الدولة". أما وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، فدعا من جهته إلى إجراء تحقيق دولي مستقل بهذه المسألة.

من خلال استهداف الحركة الجوية بين عاصمتَي بلدَين في الاتحاد الأوروبي، عزل لوكاشينكو بلده بدرجة إضافية. لم تعد الخطوط الجوية الأوروبية تهبط في مينسك وباتت تتجنب المرور بالمجال الجوي فوق بيلاروسيا. كذلك، لم تعد شركة الطيران الوطنية "بيلافيا" تستطيع السفر إلى وجهات عدة في أوروبا، وأوقفت أوكرانيا المجاورة جميع رحلاتها الجوية مع بيلاروسيا.

في غضون ذلك، تفكر بروكسل راهناً بفرض عقوبات على قطاعات كاملة من الاقتصاد البيلاروسي، ومن المتوقع أن تؤثر هذه التدابير على تصدير المنتجات البترولية والأسمدة البوتاسية وعلى النظام المالي أيضاً. ستضرب هذه الضوابط نظام لوكاشينكو بقوة تفوق أي تدابير أخرى في المجال الجوي.

يتمسك لوكاشينكو بالسلطة في بيلاروسيا منذ 27 سنة، أي قبل ولادة بروتاسيفيتش وسابيجا. غداة الاحتجاجات التي شهدها البلد في الصيف الماضي، أعاد نظامه ترسيخ الهدوء في بيلاروسيا بقبضة من حديد. لكن تبيّن الآن أن لوكاشينكو لن يكتفي بنشر الخوف في بيلاروسيا وحدها، بل إنه يريد فرض نفوذه في أنحاء أوروبا. كذلك، يبدو أنه لا يخشى العقوبات بل يعتبر نفسه تحت حماية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. هل يتصرف من باب الانتقام المحض، أم ثمة منطق آخر وراء تصرفاته؟ ولماذا أصرّ على استهداف بروتاسيفيتش وسابيجا؟

صدرت تفسيرات عدة من مينسك حول سبب تغيير مسار الطائرة، لكن كان كل تفسير جديد أسخف من الذي سبقه. يوم الإثنين، قرأ مسؤول في وزارة النقل في مينسك تهديداً مزعوماً حول حصول تفجير وشيك على متن الطائرة.

ثم نَفَت وثيقة داخلية التفسيرات التي قدّمتها مينسك. لم تصل الرسالة الإلكترونية التي تشمل التهديد إلى حساب مطار مينسك قبل الساعة الواحدة ظهراً من يوم الأحد، أي بعد نصف ساعة تقريباً من توجيه مراقبي الحركة الجوية البيلاروس إنذاراً إلى الطيار لإبلاغه بوجود العبوة الناسفة المزعومة على متن الطائرة.

يوم الأربعاء، أثبت لوكاشينكو شخصياً أنه لا يهتم بمصداقية التبريرات التي تقدمها الجهات الرسمية، فقال إن التهديدات بحصول تفجيرات تصل من الخارج إلى بلده بوتيرة متواصلة. حتى أنه اعتبر وجود بروتاسيفيتش سبباً كافياً لوقف حركة الطيران الدولية، فقال: "سواء وُجدت قنبلة على متن تلك الطائرة أو لم تكن موجودة، كنتُ لأصدر أمراً فورياً بهبوط الطائرة لو أنني عرفتُ بوجود إرهابي فيها".

عملياً، كان اسم بروتاسيفيتش وارداً على لائحة الإرهابيين المشتبه بهم في لجنة أمن الدولة في بيلاروسيا منذ تشرين الثاني 2020، فكتب حينها التغريدة التالية: "لقد أعلنوا رسمياً أنني إرهابي. هذه ليست مزحة". هو يحمل الرقم 726 على تلك اللائحة، ويتفوق عليه بمرتبتَين فقط القائد السوري لمنظمة "جبهة النصرة". يكشف هذا الواقع المنطق الذي يستعمله نظام لوكاشينكو: لا وجود للخصوم السياسيين، بل إنهم مجرّد أعداء وإرهابيين.

زاد النظام مظاهر تطرفه مثلما أعطى صفة التطرف إلى رومان بروتاسيفيتش سابقـــــاً. ينحدر بروتاسيفيتش من عائلة لطالما دعمت النظام في مينسك، فقد كان والده ضابطاً عسكرياً ووالدته مُحاضِرة في أكاديمية عسكرية. قصد بروتاسيفيتش كلية علوم مرموقة في مينسك وشارك في مسابقات في مجال علم الفيزياء وفاز بمنحة رئاسية وكان يهتم بالفضاء.

اعتُقِل بروتاسيفيتش للمرة الأولى خلال الاحتجاجات في العام 2011 وقد شعر بالسخط من العنف الذي مارسته الشرطة. ثم أصبح ناشطاً سياسياً وطُرِد من المدرسة في البداية ثم من كلية الصحافة لاحقاً. في العام 2014، تواجد في ميدان الاستقلال في عاصمة أوكرانيا، كييف. وفي العام 2015، عمل كمصور وصحافي مستقل على الخطوط الأمامية في منطقة شرق أوكرانيا المحاصرة. تفيد التقارير أيضاً بأنه حارب مع كتيبة "أزوف" المثيرة للجدل بقيادة متطرفين يمينيين. لكن أنكر المتحدث باسم الجماعة حينها، ستيبان غولوفكو، هذه المعلومة. هو يزعم أن بروتاسيفيتش كان متواجداً هناك كصحافي وأنه لم يحمل السلاح يوماً.

هرب بروتاسيفيتش من بيلاروسيا في العام 2019. بنظر النظام، تتعلق أسوأ جريمة ارتكبها بتورطه مع قناة "نيكستا" المعارِضة على تطبيق "تلغرام"، فقد أصبحت هذه القناة القوة التي تحرك الاحتجاجات الشعبية في العام 2020. اشتقت "نيكستا" من قناة على موقع يوتيوب كانت تنشط من المنفى في وارسو، وهي تُعتبر أفضل مثال على تطرّف الخطابات، ولو في معسكر المعارضة، وحجم التأثير الذي تعطيه قناة واحدة.

حين نزل سكان مدينة مينسك إلى الشارع في آب 2020 احتجاجاً على إعادة انتخاب لوكاشينكو عن طريق التزوير، كانت الحركة الشعبية تفتقر إلى أي قيادة. سرعان ما حظر النظام المواقع الإلكترونية التابعة للمعارضة، لكنه زاد بذلك قوة قنوات المعارضين على "تلغرام"، علماً أنه يعجز عن حظرها.

زاد عدد قراء "نيكستا" وبات يفوق المليونين من أصل 9 ملايين نسمة ونصف. ترسل القناة صوراً ورسائل على شكل مقطع سريع وتُشجّع المحتجين وتعطيهم التعليمات حول مكان تحرك الناس وسط الحشود وكيفية حماية أنفسهم. إنه شكل من النشاط السياسي لا الصحفي. تعتبر "نيكستا" الخصوم "فاشيين" أو "فِرَقاً انتقامية" أو "محتلين".

يقول ستيبان بوتيلو، مؤسس "نيكستا" ومديرها: "نحن صوت الشعب بكل بساطة". يعتبر هذا المعسكر شعب لوكاشينكو محتلاً. تزامناً مع زيادة شعبية القناة، نشأت خلافات بين بوتيلو وبروتاسيفيتش حول النهج المعتمد، فقد أراد بروتاسيفيتش العودة إلى المقاربة الصحفية. في أيلول 2020، ترك بروتاسيفيتش "نيكستا" ثم غادر بولندا كلها بعد وقت قصير لأنها رفضت منحه اللجوء السياسي بسبب افتقاره إلى الوثائق المطلوبة.

يقول بافيل لاتوشكو، دبلوماسي بيلاروسي ووزير الثقافة السابق، وهو واحد من أشهر الشخصيات في المنفى: "ما يحصل راهناً في بيلاروسيا هو وضع لم تشهده أوروبا منذ أربعين سنة". هو يزعم أن 35 ألف شخص تعرضوا للاحتجاز أو الاعتقال وأن 421 معتقلاً سياسياً يقبعون في السجون. في هذا السياق، يظن لاتوشكو أن طريقة التعامل مع بروتاسيفيتش كانت "منطقية جداً": "طوال تسعة أشهر، كنا نقول في جميع العواصم الأوروبية: لوكاشينكو لا يريد الحوار. هو سيدمّر خصومه. لقد تلقينا دعماً شفهياً بكل بساطة، لكنّ أحداً لم يحرك ساكناً".

في غضون ذلك، صدرت تحذيرات ضد المعارضة. في شهر نيسان، أعلن وزير الداخلية البيلاروسي عن إطلاق "حملة تطهير" للأعداء في الخارج أيضاً. وكتب عضو بارز في البرلمان في مينسك على فيسبوك هذا الأسبوع أن لاتوشكو هو الاسم المقبل على لائحة المُساقين إلى بيلاروسيا لتلقي العقوبة التي يستحقها.



يعطي لوكاشينكو الأولوية لمعاقبة جميع خصومه برأي المحلل السياسي أرتيوم شريبمان، وقد كانت إعاقة الطائرة تتماشى مع هذا المنطق. من وجهة نظره، لم يعد لوكاشينكو يهتم باحتمال أن تتشوه سمعته بسبب أفعاله الشائكة.

بدأت المخاوف تنتشر اليوم في فيلنيوس، حيث يحاول ناشطون منفيون بارزون الاستفادة من حماية الشرطة ولم يعد المحاضرون البيلاروس يغادرون المدينة خوفاً من تعرضهم للاضطهاد.

نتيجةً لذلك، أصبح بروتاسيفيتش وسابيجا ضحايا حملة انتقامية واسعة النطاق. لم تتمكن سابيجا من رؤية أي محام بعد، لكنها تلقّت زيارة من القنصل الروسي. تقول والدتها التي تقيم في مينسك إن ابنتها في حالة بائسة، لكنها تمكنت من أخذ ملابس دافئة لها في مركز الاعتقال التابع للجنة أمن الدولة.

في المقابل، غادر والدا بروتاسيفيتش البلد في الصيف الماضي. هما يقيمان الآن بكل أمان في بولندا ويخشيان تدهور صحة ابنهما. سُمِح لمحامية بروتاسيفيتش بمقابلته للمرة الأولى يوم الخميس الماضي، ثم أعلنت أمام الصحافيين أنه "بحالة جيدة ويتمسك بتفاؤله ومرحه".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.