طوني فرنسيس

الحريري إذا اعتذر...

3 دقائق للقراءة


اعتذر سعد الحريري مرةً أولى عندما استجاب مبكراً لدعوة الانتفاضة كافة المسؤولين الى الاستقالة والذهاب الى تشكيل حكومة اختصاصيين تنتشل البلاد من المسار الذي انحدرت اليه.

وإعتذر مرةً ثانية عندما قَبِلَ بالمبادرة الفرنسية وانكفأ عن الترشح الى منصب رئيس الحكومة، إلتزاماً بفكرة الإتيان بـ"حكومة مهمة " كما طرحها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، تتولى تنفيذ برنامج إصلاحي إنقاذي، وتتشكل من شخصيات لم تنغمس في موائد الفساد ولم تلتحق برموزه، وتتمتع بمواصفات أقلها الإختصاص ونظافة الكف.

بين "الإعتذارين"، الأول الذي جاء على شكل استقالة، والثاني، في شكل انكفاء لمصلحة المبادرة الفرنسية ومقتضياتها وانسجاماً مع صوت الاحتجاجات الشعبية العامة، كانت حكومة الدكتور حسان دياب قد ولدت على يد القوى الأساسية في السلطة. جرى اختيار رئيسها بدقة من بين وزراء حكومة الانقلاب على الحريري قبل عشر سنوات، وسمّت قوى العهد وزراءها في عملية تحاصص وكأن شيئاً لم يحصل، فبدأت المناكفات فيما ازداد لبنان غرقاً في حفرته الى ان تم في ظلها تفجير مرفأ بيروت فوجدت نفسها عاريةً من كل تغطية وقدمت استقالتها.

استمر الحريري على تمسكه بالابتعاد عندما طرح الفرنسيون صيغتهم. لم يطلب تسميته في الاستشارات المُلزمة وساند مع غيره من رؤساء الحكومات السابقين خيار حكومة مستقلة رئيساً وأعضاء. إلّا أن التجربة فشلت. حاول السفير مصطفى اديب اسابيع قبل أن ينكفئ الى مواقعه سالماً، وفي تلك المحطة عاد الحريري ليطرح نفسه لرئاسة حكومة الإختصاصيين المستقلين.

كان يُفترض أن يكون الرجل الأقدر على تولي هذه المسؤولية بعد تجربتي دياب وأديب، ولأسباب أخرى تتعلق بانطباعٍ عام مفاده ان المرحلة وضرورات الإنقاذ تحتاج شخصاً مثل الحريري بعلاقاته العربية والدولية ولحجم حضوره التمثيلي في طائفته وعلى المستوى الوطني.

غير ان الوقائع نفسها التي جعلت السفير اديب ينسحب باكراً، وجعلت من تشكيلة دياب مؤسسة فاشلة، كَمَنتْ للحريري فمنعته من إتمام مهمته. فوراء الحديث عن المستقلين عادت قوى السلطة لتطرح حصصها، بدءاً من تثبيت الوزير الشيعي في المالية وصولاً الى القول بحق التيار العوني بتسمية الوزراء المسيحيين.

تم تنفيذ ذلك في حكومة دياب، ثم جرت المساومات على القاعدة نفسها مع الحريري وقبله مصطفى اديب، ومنذ اليوم وحتى إشعار آخر لا فرصة متاحة لتغيير نمط السلوك السياسي هذا لدى العهد وقواه.

قد يعتذر الحريري للمرة الثالثة. لكن أحداً لن يتسرع في قبول المهمة. فأمام المسترئسين المحتملين جميعاً، تمثل تجارب ثلاث من جهات مختلفة: دياب وأديب والحريري، اذا قرر الإعتذار ...