تتميّز إيما تومسون بذكائها ومرحها وتواضعها وتُعتبر نوعاً نادراً من المشاهير! في مقابلة حصرية مع مجلة "مايند فود"، تتكلم الممثلة المخضرمة عن حياتها العائلية، وتعاملها مع الاكتئاب، ودورها الأخير إلى جانب ميندي كالينغ.
بعدما احتفلت تومسون بميلادها الستين منذ فترة قصيرة، تذكرت مسيرتها حين بدأت كممثلة صاعدة في عمر العشرينات في لندن، فقالت: "اختبرتُ كل ما كان شائعاً خلال الثمانينات، فشاركتُ في دروس الإيماء في باريس، في "مدرسة جاك ليكوك المسرحية الدولية"، ما سمح لي بالتفاعل مع جسمي. ثم شاركتُ في عرض فردي في إدنبرة [خلال مهرجان "فرينج"]، ثم كتبتُ برنامجاً مبنياً على عرض سكيتشات متنوعة. لكني تعرّضتُ لانتقادات كثيرة لأن المواد التي قدّمتُها كانت داعمة للحركة النسائية وشملت أفكاراً أردتُ الكتابة عنها، لكن لم تكن هذه المواضيع شائعة حينها. هاجموني لأنهم اعتبروا عملي معادياً للرجال، مع أنه لم يكن كذلك. بل كان يطرح بكل بساطة مسائل لم يسمع بها الكتّاب الرجال، لذا افترضوا أنهم يتعرضون للهجوم. ثم كتبتُ مسرحية Sense and Sensibility (الحواس والحساسية)، وشاركتُ في المسرحية الموسيقية Sweeney Todd بين العامَين 1984 و1985 طوال 16 شهراً، ثم أُصبتُ بالاكتئاب. كانت التجربة مريعة... بل قاسية جداً. أظن أن معظم الكوميديين والفنانين يصابون بالاكتئاب".
لطالما كانت إيما صريحة بشأن نوبات اكتئابها، حتى عندما تعرّضت لموقف مهين في العام 1995، حين انفصلت عن زوجها كينيث براناغ، بعد زواج دام 6 سنوات، غداة علاقته مع هيلينا بونهام كارتر. شكّل براناغ وتومسون ثنائياً قوياً في لندن خلال تلك الفترة، لذا أحدث مثلث الحب هذا ضجة كبيرة.
تهزّ رأسها قائلة: "حين انفصلنا أنا وكين ووقف الجميع أمام منزلي، كان الموقف صعباً. نعم، لم تكن التجربة ممتعة لأنها تخترق الخصوصية ويصعب التعامل معها. لكن مجدداً، يمكن تعلّم دروس قيّمة من هذه التجارب حين نفكر: "ما موقف كل من ليس معتاداً على الصحافة مطلقاً؟ ما موقف الناس العاديين حين تهاجمهم الصحافة بهذه الطريقة؟ لا شك في أنها تجربة مريعـــة وشبيهة بسوء المعاملة".

تُعتبر تومسون بلا أدنى شك من أذكى المشاهير وأكثرهم مرحاً، حتى أن معظم الأسماء الأخرى تبدو مملة مقارنةً بها. لذا كانت المرشّحة المناسبة للمشاركة في الكوميديا الساخرة الجديدة Late Night (برنامج آخر الليل) بدور "كاثرين نيوبيري"، مذيعة مخضرمة ومقدمة مزاجية لبرنامج تلفزيوني ليلي. كتبت شريكتها في البطولة، ميندي كالينغ، سيناريو الفيلم وابتكرت دور "نيوبيري" وهي تفكر بتومسون. تؤدي كالينغ من جهتها دور "مولي باتيل" المبتدئة والفضولية، وهي المرأة الوحيدة في غرفة الكُتّاب الرجال، فتحاول إنقاذ البرنامج بعد هبوط نسبة مشاهدته، في ظل انتشار تعليقات تزدري بالنساء والأقليات. يبدو أن هؤلاء الشبان لا يخشون أحداً، باستثناء "كاثرين نيوبيري" المخيفة.
أعلى درجات العزم
تقول إيما ضاحكة: "كان تجسيد شخصية وقحة لهذه الدرجة ممتعاً للغاية لأنني بطبيعتي مهذبة بدرجة مَرَضية! لذا كانت التجربة رائعة فعلاً. كذلك، ارتحتُ حين تسنّى لي أن أُسكِت مجموعة من الشبان البيض"! رغم اعتبار تومسون ممثلة وكاتبة درامية في المقام الأول، إلا أنها تصرّ على دور الكوميديا في بداية مسيرتها: "شاركتُ في عروض كوميدية حين كنت في الثالثة والعشرين من عمري، وعملتُ في السكيتشات الكوميدية حتى عمر السابعة والعشرين، قبل أن أبدأ التمثيل. تواجدتُ في النوادي الكوميدية حيث تجد المرأة صعوبة فائقة في فرض نفسها وسط قاعة يطغى عليها الرجال، وتواجه الازدراء أيضاً. لذا كان يجب أن أحضّر محتوىً غنياً جداً. أتذكر أنني قدّمتُ عروضي الخاصة في إدنبرة وعلى التلفزيون، ولا يمكن أن يتخيل أحد الكلمات التي سمعتُها في شبابي".
لكن رغم سيل التعليقات السلبية التي تلقّتها، كانت مقتنعة بموهبتها ونزعتها الكوميدية وترفض بكل بساطة الاعتراف بأي خيار آخر: "كنت أعرف أنني مضحكة، لكن قيل لي في مناسبات كثيرة إنني لستُ كذلك. فأدركتُ أنهم مخطئون لأنهم لم يعتادوا على رؤية أشخاص مضحكين مثلي".
بناءً على هذا التصميم القوي وإصرارها على المثابرة، قاومت كل عداء واجهته ولم تجد أمامها إلا النضال في سبيل ما تريده. كان نضالها صعباً للغاية كما تقول.
حياتها تحت المجهر
لطالما اعتُبِرت العروض الكوميدية ذات قدرة شفائية. تعليقاً على هذه الفرضية، تقول تومسون: "إنها فكرة جميلة، لكنها ليست صحيحة برأيي. تتطلب جميع العروض الكوميدية التي أعرفها شكلاً من العلاج النفسي، وهذا الجانب ليس مضحكاً أبداً. قدّمتُ عروضاً قليلة من هذا النوع ولطالما تمحورت حول قضايا سياسية. كانت التجربة مرعبة! لدي ملصق على جداري من العام 1984 أظهر فيه مع فرانش وساندرز وبن إيلتون. كان اجتماعنا مرتبطاً بإضراب عمّال المناجم".

كان الاكتئاب، بطريقة أو بأخرى، جزءاً دائماً من حياة إيما. حتى أنها تعترف بعيشها الصدمات منذ طفولتها، حين مَرِض والدها كثيراً: "أُصيب بأول نوبة قلبية حين كان في السابعة والثلاثين من عمره، وتوفي عن عمر 52 عاماً. استمرت تداعيات تلك الصدمة في حياتي، مع أنني كنت بخير في مراحل متقطعة. حين توفي، كنت أبلغ 21 عاماً وكانت صدمتي هائلة. انعكس ذلك الحدث على كل جانب من حياتي. اليوم، أنا أكبر من العمر الذي مات فيه بثماني سنوات".
تبدو تومسون متحررة وتحب تحقيق الإنجازات، ولا تزال المرأة الوحيدة التي نالت جائزة الأوسكار على التمثيل وكتابة السيناريو معاً. فازت بهذه الجائزة عن فئة أفضل ممثلة في Howards End في العام 1993، وأفضل سيناريو مقتبس فيSense and Sensibility في العام 1996. كذلك، حصدت عدداً من جوائز "بافتا" و"غولدن غلوب" ونالت لقب "فارس" الملكي في شهر تشرين الثاني من السنة الماضية في بريطانيا.
حين وصلت إلى قصر "باكنغهام" للمشاركة في حفل تكريمها، خالفت قواعد اللباس هناك وانتعلت حذاءً رياضياً أبيض اللون. لكن نظراً إلى أهمية المناسبة، لم يكن مجرّد حذاء قديم. قالت مبرِّرة: "كان ذلك الحذاء باهظاً وغير عادي، وكان من صنع ستيلا مكارتني وكلّف مبلغاً كبيراً".
لكن هل قرأت الانتقادات في الصحافة؟
أجابت ضاحكة: "أنا لا أنظر إلى الصحف. ما الداعي لذلك؟ كنت سعيدة جداً مع عائلتي في ذلك اليوم. كما أنني لا أنظر إلى الصور ولا التعليقات. لا يمكن أن أقوم بذلك ولا أفهم ما يدفع أحداً إلى رؤيتها. لكن قالت لي أمي [الممثلة فيليدا لو التي نالت بدورها وسام الإمبراطورية البريطانية الأقل مرتبة بقليل في العام 2014]: "لا أفهم معنى هذا الحذاء الرياضي"! فقلتُ لها: "قصدتُ ستيلا مكارتني، وهي مصمّمة مشهورة وممتازة جداً، فصمّمت لي البذلة وأخبرتني بأن الحذاء الرياضي يتماشى معها على أكمل وجه وأنني سأشعر براحة فائقة". فوافقتُ وانتعلتُه! حتى أن الأمير ويليام لم يمانع ذلك"!
حياة طبيعية...
"علّمتُ نفسي أن أتعامل بحذر مع أسلوب السخرية، لأن الناس لن يفهموا بالضرورة كل ما نعنيه. مع ذلك، يجب أن نحافظ على صدقنا وواقعيتنا، وإلا سنقع في المشاكل لأننا لن نعرف ما قلناه قبل 20 سنة! هكذا نتجنب الإحراج. لكننا قد نواجه المشاكل أحياناً بسبب صراحتنا".

"أنصح كل شخص مشهور بالخضوع للعلاج النفسي سريعاً. يجب ألا ننسى تداعيات عملنا وما يحصل للمحيطين بنا، لا سيما عائلتنا. لذا قلتُ سابقاً: أشكر الله لأنني لم أشتهر قبل عمر الثلاثينات وإلا كنت لأتأثر بطريقة مختلفة. لكنني أفكر بالأولاد الذين يشتهرون اليوم، مثل المشاركين في Game of Thrones (صراع العروش)، فقد بدأوا جميعاً قبل عشر سنوات. إنها تجربة صعبة بالفعل"!
تعيش تومسون في لندن (في الشارع الذي نشأت فيه) مع زوجها منذ 16 سنة، غريغ وايز (ممثل ومنتج)، بعدما قابلته في موقع تصوير Sense and Sensibility. ابنتهما غايا (20 عاماً) ممثلة وناشطة في منظمة "غرين بيس"، بما يشبه مسيرة والدتها في العمل الاجتماعي. تبنّى وايز وتومسون لاحقاً تينديبوا أغابا، يتيم من رواندا كان مجنداً سابقاً، ويبلغ الآن 32 عاماً ويعمل كمحام في مجال حقوق الإنسان.
"أتساءل أحياناً إذا كنا نبالغ في فرض الضغوط على أنفسنا. نقيم علاقات كثيرة في حياتنا ونحصل على عدد كبير من الأصدقاء، ويتسنى لنا أيضاً أن نقيم علاقات حسنة مع أفراد عائلتنا. نعيش اليوم لوقتٍ أطول، ولا تقتصر علاقاتنا على كبار السن بل تشمل الشبان أيضاً، ويجب أن نتقرب في الوقت نفسه من الناس في عملنا. تكثر المطالب المفروضة علينا في العالم المعاصر".
عند سؤالها أخيراً عما تفعله في أوقات فراغها، ارتبكت قليلاً ثم قالت إنها تأخذ قيلولة، وكأنه الجواب المنطقي الوحيد!
صحيح أن حياتها في سن الرشد كانت خليطاً من النجاح والتميّز عموماً، لكنها تبقى نجمة متواضعة جداً، مع أنها تصرّ على وجود جوانب متعِبة في يومياتها: "أنا متأكدة من أنني كنت مدللة ومتطلبة في بعض الأحيان. لكني أحاول تجنب هذه السلوكيات وأبذل جهوداً كثيرة من أجل عائلتي. أنا أطبخ وأتسوق في معظم الأوقات. حتى أنني أعرف سعر الحليب وأنظف الحمّامات في منزلي من وقتٍ لآخر! أحاول أن أعيش حياة طبيعية قدر الإمكان... لكن حتى لو كنتُ مدللة فعلاً، لا يمكنني فعل الكثير لتغيير هذا الوضع"!