عماد موسى

مكشوفة على 500 ليرة

22 حزيران 2021

02 : 00

قبل أسبوع أو أكثر، دخلت على "بنك بيبلوس"، مصرفي المعتمد منذ القرن التاسع عشر، وكنتُ في ما مضى من سالف الأيام أعتبره بيتي الثاني، استُقبلت بوجه ناشف من قبل موظف شاب. طلبتُ كشف حساب عن ستة أشهر فأجابني: 10 دولارات. أي 154000 ليرة بسعر الأمس. اعتقدت أن الشاب يتكلّم إلى شخص آخر. لا. ليس أمامه سواي. "عشرة دولار على الكشف"؟ سألت مستهولاً "إيه" أجاب بجفاصة. للمناسبة قبل 24 ساعة من طلب "الكشف"، كشف على صدري طبيب وقبض التعرفة 40 ألف ليرة، وقبل 48 ساعة طلبنا بيتزا لأربعة أفواه بـ 140 ألفاً مع بخشيش. ولا علاقة لوجع القلب بالبيتزا. ومنذ شهر كشف معلم هاغوب في عمشيت على بيضات الديركسيون و"عِمِل ميزان" للسيارة بـ 40 ألفاً. كل هذه الكشوفات مرت أمامي في ثوانٍ كان عليّ أن أقرر فيها: هل أدفع عشرة دولارات صاغراً أو أطرق باب مدير الفرع أو مديرته وأقول ملء فمي ما قالته ياسمين المصري لصهر المسيحيين المشرقيين.

أيكون الكشف مطبوعاً على ورق بردى؟ أو مكتوباً بأحرف من ماء الذهب. أين ذهبت أفكاري؟ لأنني كنت بحاجة قصوى لتلك الورقة سددت المطلوب مني ساخطاً. وقلت لأستفد باستشارة مجانية. سألت ذا الوجه الجاف أيمكن أن أتوكل عن ابنتي وأتصرف بحسابها؟. "لا".

ولو حصلت على وكالة من كاتبة العدل جارتكم؟ "لا".

والحل؟ أن تقفل حسابها.

في "بيبلوس" كما في سائر المصارف المنكوبة بزبائنها الوقحين، بات الشغل قائم على تهشيل الزبائن والإبتكار: كل يوم تبتكر الإدارة رسماً جديداً : رسم على السحب، رسم على التحويل، على الجامد على المتحرك، على القسط، على الدولار الطازج والدولار البائت، على كل ما يُرى وما لا يُرى. رسم شهري. رسم فصلي. رسم على الأسهم الهابطة. رسم على الأسهم المرتفعة. رسم على الفواتير الموطّنة. رسم على البطاقات الإئتمانية والتي لا تؤتمن على دولار. ومع الوقت سيُضاف رسم على الرسم الشخصي، ورسم على الدخول إلى المصرف لمشاهدة فيلم الرسوم المتحركة وراء الكونتوار.

على الرغم من قتامة المشهد الذي يصادفك في المصرف، فبعض الموظفين الآليين يسببون الضحك. في الـ "ويك أند" الماضي، أخبرني صديقي معلّم رامز أن ابنته تلقت اتصالاً من المصرف يبلغها أن حسابها مكشوف على 500 ليرة، اعتقدت أن في الأمر دعابة، لكنها فوجئت بجدية المتصلة. وجاء من ينصح المكشوفة على 500 ليرة أن تصطحب صغيرتها وتعطيها قطعتين معدنيتين من فئة الـ 250 ليرة تحملهما إلى الموظفة "تانت هول الـ 500 ليرة اللي طلبتيهن من الماما !".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.