نوال نصر

هكذا نحتال على "الخبيث" ونستخدم الذكاء الإصطناعي

11 دقيقة للقراءة
حين يجتمع الذكاء والخيال والعلم في امرأة واحدة تأكدوا أننا في الإتجاه الصحيح فكيف إذا كنّ ستاً. ستّ صبايا، متميزات في حقولٍ علمية متنوعة إستحققن أن ينلنَ جائزة "لوريال - اليونسكو من أجل المرأة في العلم". ست نساء من أربع دولٍ عربية، من لبنان والأردن والعراق وفلسطين، جرى اختيارهنّ من بين 150 إمرأة من دول المشرق العربي و275 إمرأة من كلِ العالم. والنساء الست حين يبدأن في سردِ أفكارهنّ وتجاربهنّ وتطلعاتهنّ نتأكد أن المستقبل العلمي لا بُدّ أن يكون في أمان وثبات. وهل هناك ما هو أكثر ثباتاً من إصرار امرأة على تحقيق ما اكتشفته؟ سوسن أبو شرخ من الخليل في فلسطين. لورا بولس من لبنان. نداء عبابنه من إربد في الأردن. إيناس الخفاجي من بغداد. تمارا سلوم من لبنان ونوف محمود من الأردن، نساء رفعن الرأس ومشوارهنّ سيكون طويلاً في عالم الأبحاث السرطانية والعلمية. فماذا اكتشفن في أبحاثهنّ؟ وماذا يطمحن الى اكتشافه؟ ولماذا استحققن أن يتوّجن رائدات؟ وماذا لديهنّ ليقلنه لمرضى السرطان و"السترس" والجينات الوراثية؟ "نداء الوطن" حاورتهنّ قبيل أن ينطلقن مجدداً في عالمٍ أقل من ثلاثين في المئة من الباحثين فيه إناث وأقل من ثلاثة في المئة من نسائه حصلن على جائرة نوبل وأقل من 11 في المئة من النساء يتبوأن مراكز قيادية. الآن، أيها النساء، دوركنّ...

نداء عبابنه (الأردن): العلاج بالجينات

اختصاصية علم الأعصاب والخلايا الجذعية. أستخدمُ التقنيات الحديثة في دراسة الأمراض العصبية الوراثية وأحضّر الخلايا الجذعية من المرضى وأحولها الى خلايا عصبية من اجل درس الخصائص الدقيقة للمرض ما يُمكّن من تجربة أدوية جديدة على هذه الأعصاب وإيجاد أدوية لأمراض جديدة أو التخفيف من حدة المرض.

نستخدم تقنية التعديل الجيني في العلاج بالجينات، وهذه التقنية جديدة، اكتشفت العام 2013 وستُمكننا من تعديل اي طفرة وراثية وتحويلها الى جين طبيعي. وما حفزني على دراسة أمراض الخلايا الجذعية والتعديل الجيني هو انه علم جديد، وأي علم جديد يحتاج في البداية الى عمل كثير للوصول الى نتائج دقيقة وملموسة. ناهيك عن أنني لا أريد ان أقتحم العلم من آخره، بل من أوّله، حتى أتمكن من تثبيت وجودي في التطوير العلمي.

لم تثبت تقنيات الخلايا الجذعية الموجودة قدرتها على علاج الأمراض مئة في المئة، لكن لها استخدامات ناجحة في تخفيف حدة بعض الامراض. في كل حال أعمل حالياً على الخلايا الجذعية المحفزة.

ونجحنا في إصلاح الجينات الوراثية والطفرات في الجينات وتحويل الجين الى طبيعي عبر سلاسل «دي ان اي» بطريقة جدّ بسيطة تقتضي قطع المنطقة المصابة من السلاسل الوراثية وإضافة منطقة سليمة مكانها. إننا نشتغل على الخلايا وليس على المريض.

أنا اول باحثة في الأردن تطبق هذا المجال. وانشأتُ مختبرا. ومهمتي ليست أبداً سهلة. وعالم الأبحاث مليء بالمفاجآت.

هذه زيارتي الأولى الى لبنان. احببت بيروت كثيرا فيها طابع من عمان وطابع من اوروبا. أصلي من منطقة اربد شمال الاردن. وأعتبر نفسي، والحمدلله، محظوظة. الجميع دعمني.



لورا بولس (لبنان): أنا أقرّر

بدأتُ دراسة علم النفس في جامعة القديس يوسف في بيروت وأردتُ، منذ البداية، أن أفهم أبعاد كل شيء أراه في علم النفس وماذا يدور من قبل، في العقل، قبل اتخاذ أي قرار. ولماذا نتصرف بطريقة معينة ولا نتصرف بطريقة أخرى مختلفة. ولماذا اليأس والذعر والفرح والحزن والحب والكراهية؟ وماذا يحصل في الدماغ؟ ذهبت الى فرنسا ودرست «علم الأعصاب». وتابعت في كندا. وتستطرد: تأخرتُ اليوم عن موعدي بكم، بـ»نداء الوطن»، ولهذا أسباب، لأنني مررت بخلافٍ مع اهلي لذا كان لزاماً عليّ أن أقرر، في دقائق معدودة، ماذا أفعل؟ أغادر؟ أبقى؟ أعتذر؟ ارتديتُ ثيابي بسرعة وجئت. أحاول دائما أن أفهم ماذا حدث قبل اتخاذ القرار. أي قرار. وما هي القصص التي يمر فيها الدماغ قبل اتخاذ القرار. وكيف نتخذ القرار.

لكن أليس لكل شخصٍ قدرة مختلفة على اتخاذ القرار المناسب؟

صحيح، لكننا تأثرنا في لبنان، في العموم، بالحرب وذيول الحرب وما قد يتأتى يومياً من مخاطر أعقبت انتهاء الحرب. نعيش الخوف يومياً وما قد تؤول إليه الأحوال والمصير. وكيف نقرر. وهل علينا أن نقرر؟ في ظلِ كل هذه الفوضى في القرارات والمشاعر والوظائف الإدراكية قررت أن أبني مشروعي البحثي على «الخيارات في ظلّ عدم التيقن». وعملتُ مع «وان بوينت» في باريس على استخدام الذكاء الإصطناعي في البحث وإيجاد الحلول. وأطلقنا تطبيق: «انا اقرر» I decided وكل الداتا (المعلومات) سننطلق فيها في أبحاثنا وستتيح لنا جمع الكثير من المعلومات. هذا التطبيق مفتوح أمام كل الناس مجانا، يطرح عليهم أسئلة، والأجوبة تحدد أفكارهم. وسنُطور التطبيق كي يساعد الناس في اتخاذ القرارات الصائبة في المستقبل واقتراح قصص صغيرة تغيّر حياتهم.



نوف محمود (الأردن): أبحث في ابتكارٍ للسكريين

متخصصة في تكنولوجيا النانو الذي يعتمد على استخدام مواد وجزيئيات ناووية صغيرة الحجم، متناهية الصغر، هي النانوميتر، نحضرها من معادن مثل حبيبات الذهب والفضة بأحجام صغيرة، وحين يكون الذهب بهذا الحجم تصبح له صفات غير متوقعة مثل ان يكون مضاداً للإلتهاب أو قاتلاً للبكتيريا، ما يُساعد على التئام الجروح ولعب دور مضاد للسرطانات. والمشروع الذي قدمته في برنامج «المرأة من أجل العلم» يهدفُ الى ابتكار مواد ناووية جديدة لها قدرة هائلة على لأم الجروح ومحاربة البكتيريا من دون أن تتعرض للمقاومة مثل المضادات الحيوية العادية التي يقاومها الجسم فلا يعود يستفيد المريض منها. فلنأخذ مثلا مرضى السكري الذين يعانون من مضاعفات والتهابات عميقة لا تلتئم ما يؤدي الى بتر العضو. ابتكرنا مواد حديثة لها صفات مضادة للإلتهاب قوية جدا، تساعدهم على التئام الجرح بسرعة وتحميهم من خسارة احد أعضائهم المصابة.

من يُلهم نوف محمود في أبحاثها؟

صديقتي ألهمتني بعيد مرور زوجها بأزمة صحية وفقدان قدمه. وطالما سألتني: نوف تعملين على الأبحاث فلتبحثي لي عن حلول. اشتغلنا وحصلنا على نتائج أولية واعدة جداً وسنتابع من أجل إثبات فعالية هذا المنتج.

ما هي الخطوات المقبلة؟

هناك فحوصات كثيرة دقيقة وعلمية، يفترض اختبار سميتها بالإضافة الى فعاليتها. وبصراحة، أنا كنوف، أتأثر لأن أشخاصاً كثراً فقدوا القدرة على الحياة وأتمنى ان أصل انا او غيري الى منحِ خيوط أمل.

هذه هي المرة الثانية التي أزور فيها بيروت، رافقني زوجي وأولادي، وسنذهب الى حريصا وجبيل ومغارة جعيتا والشوف. لبنان جميل.



سوسن أبو شرخ (فلسطين): الإحتيال على السرطان

دكتوراه في الفيزياء الطبية الحيوية. سافرتُ مدة ثماني سنوات الى المانيا، حيث أحد أرقى معاهد الطب الحيوي والهندسة الحيوية في «درسدن». كنت فرحة جداً هناك لكني أردت أن يكون لي بصمة في فلسطين ونجحت، في ثلاث سنوات، في إنشاء مجموعة بحثية مؤلفة من خمس فتيات ماجيستير. انا المشرفة البحثية عليهنّ. وسميتُ مختبري «مركز الابحاث الطبية الحيوية» وأتاني الدعم من المانيا، من مؤسسة البحث الالماني، ثم من جامعتي في القدس. نحن كمجتمع فلسطيني ليس مسموحاً لنا ان نتحرك بسهولة. وعلاجُ السرطان الشائع في بلادي، كما هو معلوم، هو العلاج الكيميائي وجميعنا يعرف التأثيرات السلبية التي تنتج عنه. يتعالج المريض ضد السرطان فيظهر لديه ما هو أسوأ. اردتُ ان أتوصل الى أدوية سرطانية لا تضرب الخلايا السليمة، فأخذتُ من غشاء الخلية وصنعتُ كبسولة حجمها 100 نينو ضرب عشرة ناقص 9. أتتخيلون صغر هذه الكبسولة؟ وضعت في داخلها الأدوية المستخدمة في العلاج السرطاني. أردت أن يكون غلاف الكبسولة من النسيج من اجل الّا يقاومها جهاز المناعة ويرفضها. خبأت عنه الدواء. ووضعت فيها المركب الذي يقول للكبسولة اين تذهب، كي تمشي في الدم، كل المدة الزمنية التي تصمد فيها في الدم، الى حين تصل الى المنطقة المستهدفة فتفتح الكبسولة وتُفرغ ما في داخلها وبالتالي لا تتأذي الخلايا السليمة. ما وصلت له هو نوعان من الكبسولات من أجل أن أقول للعالم إنني قادرة أن أتحكم بها.

وماذا ميّز سوسن أبو شرخ عن سواها؟

عملي مرتبط، بطبيعتِهِ، بشيء اسمه تكنولوجيا النانو، وهو «الفاشين» أو لنقل الموضة في العلم. هو جعلنا نتعامل مع جزيئيات صغيرة جداً. وثقتي كبيرة أنني سأحقق ما أريده في مجالي. فأنا لا أتعب. أنا آلة. هناك كثيرات من الصبايا يقلن لي: ما الذي يجبرك على كل هذا؟ هذا شغفي. تتحدث سوسن عن مدينة الخليل: هناك من يفكر أنها الدولة وفلسطين هي العاصمة. تشتهر بالصناعة والتجارة والاستيراد والتصدير. وفيها الحرم الإبراهيمي. ونحن شعب غير بقية الشعوب. الفرص امامنا قليلة لذا علينا أن نتعلم ونثبت أنفسنا إذا أردنا الخروج الى العالم. علمنا وشهادتنا سيفتحان لنا العالم.

وتستطرد: زرتُ 25 دولة في القارتين الأوروبية والأميركية ولبنان هو أول دولة عربية أزورها. هو من أجمل الدول. هو حلم. واهل لبنان يحبون الفلسطينيين كثيراً. تذكرت جدتي التي طالما كانت تخبرنا أن اللبناني هو الأقرب الى الفلسطيني.



تمارا سلوم (لبنان): في مواجهة "الليشمانيا"

اختصاصي هو علم الجينوم الميكروبي والطفيليات، وتنصب أبحاثي على الجينوم الكامل وعلم الأحياء المجهرية. وتشارك «دي أن إي» المخلوقات الحيّة، من نبات وإنسان وحيوان، أعطاني كثيراً من الفضول لأعرف كيفية انتقال «دي ان إي». وتوصلت الى معادلة هي أن الأقوى يعيش والأكثر ضعفاً يتلاشى.

أعمل على داء اللشمانيا وهي طفيليات تؤدي الى مرض جلدي يؤدي الى تقرحات. بدأت هذه المشكلة، مشكلة الليشمانيا، في 2012 وانتشرت في لبنان. لذا عملت على هذا الداء ونجحت في اكتشاف علامات جينية من أجل أدوية جديدة، علما أنه لا لقاح فعالاً، حتى اللحظة، من داء الليشمانيا لكن هناك نقاطاً فريدة إكتشفناها يمكن استخدامها في تطوير علاجات جديدة ولقاحات.

أنا اقترح، ولا اعمل على الأدوية، ولدي مستشارون بين بيروت وانكلترا يشجعونني على التخطيط المقبل. انا أضع أسئلة وهم يساعدونني في البحث عن أجوبة. أما أبحاثي فأنفذها في الجامعة اللبنانية - الأميركية في جبيل.

الليشمانيا من الأمراض المهملة ويعتبرونها من الأمراض النادرة وليس هناك اهتمام بها على الرغم من وجود مليوني حالة سنويا.



إيناس الخفاجي (العراق): لتحسين الدواء السرطاني

إختصاصي في العلوم الصيدلانية وفي مجال تطوير أبحاث صيدلانية بغرض استهداف الاورام.

علمتُ في البداية في مختبرات في الجامعة لطلاب الصيدلة ثم وجدت ان هذا لا يرضي طموحي فأردتُ الدخول في مجال الأبحاث الصيدلانية فنلتُ اختصاصاً في علم الأحياء الدقيقة الصيدلانية. وبصراحة، مجال البحث يولد الأفكار ويساعد على تنمية الفكر وتطويره. وتابعتُ في هذا المجال وطموحي ان استمر.

قدمتُ اقتراحي وسأعمل عليه ويتضمن تصنيع جسيمات دقيقة تحتوي على الدواء أو العلاج الكيميائي المضاد للسرطان. ويفترض أن يكون لهذه الجسيمات القدرة على استهداف الخلايا السرطانية من دون المساس بالخلايا السليمة لأن غالبية مرضى السرطان يعانون من أعراض جانبية سببها الدواء.

هناك في العلاجات السرطانية علاجات هادفة موجهة لكن نسبة نجاحها لا تتجاوز ستين او سبعين في المئة.

ماذا يمكن أن تحقق إيناس الخفاجي في مجالٍ عجز من سبقها عن تحقيقه؟

نسبة حالات الوفيات لا تزال عالية وستزداد مع الأيام ونسبة المرضى الذين يصابون بالسرطانات تتزايد سنة بعد سنة. ومهمتي تحسين فعالية الدواء السرطاني. واكثر من يتمكنون من التركيز في هذا المجال هم الصيادلة والمعنيون في صناعة الأدوية. وهذا ما أبحث فيه. صحيح أن هناك أدوية جديدة لكن نسب نجاح كثير منها أقل بكثير من المنتظر.

وما هي الخطوات التي ستلي؟

أركز على مشروع استهداف او تطوير الادوية السرطانية وان أحث المرأة العراقية كي تستمر بمجال العلوم. نسبة النساء العالمات في بلادي قليل جداً. أريد أن أحقق اشياء غير موجودة. نعاني من نقصٍ في الأجهزة وفي الكفاءات والخبرات العلمية. وجائزتي ستكون فخراً دائماً لي ودافعاً الى الأمام.

هذه هي زيارتي الأولى الى لبنان، ويكفي بحر بيروت والمناظر الطبيعية الرائعة فيها وجمال ناسها كي نغرق في حبها. وسأزور قبل أن أغادر مغارة جعيتا. أمي التي ترافقني تلحّ عليّ بهذا.