مايا الخوري

ملكار الخوري عوّاد: وصلنا إلى الإنهيار لابتعادنا عن الثقافة

29 حزيران 2021

02 : 00

بعدما لم تعد الثقافة من الأولويات، كان لا بدّ من خطوة ترتقي بالشعر إلى مصاف ما قدّمه الشاعر "موريس عوّاد" الذي كرّس حياته لتحديث اللهجة اللبنانية وتطويرها. ومن هذا المنطلق أطلقت المؤسسة الحاملة لإسمه وإرثه الكبير جائزة تستهدف المواهب الشعرية الناشئة بالشراكة مع دار سائر المشرق تحت عنوان: جايزة موريس عوّاد للشِّعر لْ لبناني". عن ماهية الجائزة والشعر والثقافة كان لنا لقاء مع مدير المؤسسة التنفيذي ملكار الخوري عوّاد.

أخبرنا عن جائزة "موريس عوّاد للشعر اللبناني"؟

تستهدف هذه الجائزة الشباب والصبايا اللبنانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة لتشجيعهم على كتابة الشعر اللبناني. وتُطلق بالشراكة مع دار سائر المشرق، التي ستنشر أفضل مجموعة شعرية تختارها اللجنة.

ما أهمية هكذا جائزة في ظلّ تراجــــــــــع الإهتمام بالشعر والأدب؟

نسعى عبر الجائزة إلى التشجيع على إنتاج أعمال شعرية تحاكي المستوى المتقدّم الذي بلغه موريس عوّاد وشعراء آخرون، بهدف الارتقاء والتطوير. ونعوّل على هذه الجائزة لإكتشاف مواهب جديدة نشجّعها على كتابة الشعر اللبناني، وندعمها وفق قدراتنا. هؤلاء الشباب هم خط الدفاع الأخير عن الثقافة والفنّ في لبنان، لأنهم بكل بساطة الجيل الصاعد، ويتعرضون لضغط الهجرة بسبب الأوضاع المتردية، من هنا ضرورة إكتشاف هؤلاء وتشجيعهم ودعمهم بما أمكن. وصلنا إلى الإنهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لإبتعادنا عن الثقافة العالية الجودة، فأصبحنا نرضى بكل شيء من دون ضوابط. أملنا أن تشكّل هذه الجائزة خطوةً أولى نحو إستعادة هذه الضوابط والمستوى اللائق بالثقافة والأعمال الفنية.


يلقي محاضرة عام 1965


من خلال رصدك للوضعين الثقافــــــــــــي والأدبي في لبنان، كيف تحدّد مســــار الشعر الحالي؟

الشعر كالغابة يتّسع للعصفور الصغير والنسر معاً، ويحوي أنواعاً مختلفة من الطيور ولا تقصي بعضها بعضاً بالضرورة. بالنسبة إلى مسار الشعر حالياً، صحيح أن الحقل الثقافي والفكري والشعري متعدد ومتنوّع لكنه فقد للأسف، معايير الرقي والنوعية في كثير من المجالات والأعمال، فأصبحنا نقبل بأي "شيء" لعدم بذل مجهود كبير، ولغياب الابداع ما إنعكس تلقائياً على النوعية. وما يزيد الطين بلّة، هو تغيير الأولويات بسبب الأوضاع الإقتصادية الضاغطة، فالذلّ الذي يعانيه اللبناني على محطات البنزين، وعدم توافر أبسط الحقوق والخدمات وإنقطاع مواد أساسية ومهمة كالدواء وغيره، يجعل أي مجهود في الثقافة غير ذي صلة بالواقع. تستوجب معالجة هذه المشاكل كلّها والنهوض بالوطن البدء بالإنسان أوّلاً، عبر محاكاة عقله وعاطفته وما يحرّك مشاعره ويمنحه رؤيا للمستقبل، وما يرسم أحلامه ويبثّ فيه قيماً معيّنة. وحده العمل الخلاّق الجميل يحقق ذلك، سواء كان شعراً أم رسماً أم موسيقى. نأمل في أن تضع هذه الجائزة المدماك الأول نحو هذه الغاية.

كتب الشعر والقصة والرواية واللاهوت والفلسفة، لَبْنن الإنجيل، قدّم الأناشيد والأغاني والمسرح، "موريس عوّاد" ترك إرثاً كبيراً، كيف ستحافظون عليه؟

نتاج "موريس عوّاد" المتعدّد يسمح بتقديم أمثلة حول نوعية عمله ورؤيته في مجالاتٍ مختلفة. يتضمّن إرثه الكبير 57 كتاباً مطبوعاً ومئات المخطوطات غير المنشورة، بالإضافة إلى ما يفوق 250 أغنية وعملاً مسرحياً. نعمل وفق قدراتنا على جمع هذه الأعمال لتبويبها وتقسيمها وتقديمها إلى الناس، لكننا كغيرنا نواجه صعوبات مادية، ولذلك نحاول من فترة إلى أخرى تنظيم نشاط عبر مواقع التواصل الإجتماعي أو عرض منشورات جديدة. وفي هذا السياق تعيد المؤسسة بالتعاون مع إذاعة "صوت لبنان" بثّ برامج إذاعية لموريس عوّاد تعود إلى سنوات الحرب الأولى (1976-1978). حالياً، تبثّ برنامج "شي متل الكذب" الذي عبّر فيه عوّاد باللغة اللبنانية وبأسلوب جريء عن مواقفه من مواضيع متعددة في السياسة والحرب والأخلاقيات والعلاقات الإجتماعية والحب.


عوّاد في معرض الكتاب مع المطراب صليبا


ما ميزة اللغة اللبنانية التي كـــــــرّس لها حياته؟

هي لغته التي تعلّمها من والدته والتي يتواصل من خلالها في يومياته. هـــي نتاج الواقع الذي نعيشه، ومفرداتها تشبهنا أيضاً. وهي كذلك استمرارية لجزءٍ من هويتنا التاريخية وعاداتنا وتقاليدنا وكيفية تعبيرنا عن مشاعرنا. اللغة أداة لتثبيت الوجود والهوية والتاريخ وهي باختصار تجسيد لمفهوم "أنا لبناني أعيش في لبنان".

إبتكر عواد كتابة خاصة "للبناني" تميزه عن أربابه هل ستواصلـــــون تطوير هذا التوجه؟

إبتكر كلماتٍ وتعابير جديدة إشتقّها من أفعال أو كلمات أخرى. على صعيد الإملاء، اعتمد على مراحل قاعدة الكتابة كما يلفظ، مثل "ليرة"، كتبها "ليرا" أو "الّلي" كتبها "لّي" واستبدل حرف "ق" بالهمزة عندما لا تُلفظ القاف، وأمثلة كثيرة غيرها. نحن نتعامل كمؤسسة مع منشورات موريس عوّاد ومخطوطاته بصفة ناشرٍ لا بصفة محرّر، وبالتالي لا يحق لنا تعديل النصوص شكلاً أو مضموناً.

غادرنا عوّاد الثائر والمقاوم قبل أن يرى لبنان الذي يحلم به، هل تتخيل موقفه لو كان بيننا اليوم؟

لو كان بيننا، لنزل في تشرين 2019 مع الناس إلى الشارع والساحات، واستمرّ بتشجيعهم على المطالبة بحقوقهم والمناداة بها. حين كانت غالبية المسؤولين في موقع القرار خاضعة للاحتلال السوري، كتب ضد الاحتلال ورفضه وانتقده مشجّعاً على مقاومته. وطالما نحن اليوم تحت إحتلال الفساد والسرقات والذلّ، مع رفض محاسبة المسؤولين عن إنفجار المرفأ، اتخيله متخذاً الموقف نفسه ولو بقي وحيداً في مقاومته.


موريس عوّاد


ما كتبه في القرن الماضي ينطبـــــــــــق على حاضرنا.

عندما ننشر على موقعه الخاص نتاجه الذي كتبه قبل 45 عاماً، يبدو لوهلة كأنه كُتب اليوم. كان شخصاً رؤيوياً، وذلك يسعدني لكنني أحزن من جهة أخرى لبقاء الوضع على حاله لا بل لاتجاهه نحو الأسوأ. وحدهم المترفّعون عن الماديات والحسابات الضيّقة، يستطيعون بلوغ هذه الخلاصات. كان عواد مترفعاً، لا يغرق في المصالح والحسابات الشخصية، فيرى الأمور بتجرّد. وحين كتب هذه الأفكار قيل عنه انه يبحث عن "الكمال" الواهي ولا يفهم في السياسة، ولكنه ما لبث أن برهن مع مرور الزمن صوابية رأيه وانتقاداته السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.

أوّل شاعر لبناني يترشّح رسمياً لجائزة "نوبل الآداب"، ومعه وصلـــــــت اللغة اللبنانية إلى العالمية. برأيك هل يكفي حدث مماثل لايفائه حقّه؟

وحده التاريخ كفيل بإنصافه. مؤسف أن يصل شخص لبناني إلى هذا المستوى من العالمية فلا تحرّك الدولة أو المؤسسات الثقافية والفكرية أي ساكن تجاه الامر، بل رأينا تعتيماً كلياً ولامبالاة من الجميع، حيث أن عدداً خجولاً فقط من الصحف أضاء على هذا الموضوع. لو وصل أي شخصٍ في أي دولة أخرى إلى ترشيحٍ مماثل، لكان حصل على تأييد الدولة والمجتمع ومساندتهما له بشتى الوسائل فوصوله الى هذا المجد يعني وصولهما إليه أيضاً.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.