تغيب التحركات التي تعمّ مختلف المناطق اللبنانية إحتجاجاً على الأوضاع المعيشية المتّجهة من سيّئ إلى أسوأ عن الساحة البقاعية إلا في ما ندر، بالرغم من كل ما تعانيه المنطقة من تردٍّ لحال الناس الذي وصل حد الإختناق، ويكتفي هؤلاء بالثورة والإنتفاضة من خلف الشاشات، علّ قدرةً إلهية تنقذهم مما هم فيه.
على شفير الجوع يُقطّع الناس يومياتهم وكأنه الوقت المستقطع من الشوط الأخير قبل الإرتطام والإنفجار الكبير الذي لن يبقي ولن يذر، وتكبر دائرة الإحتجاجات التي أصبحت ككرة نار ستحرق المسؤولين في حال إستمرار الوضع على ما هو عليه يعجز فيه أكثرية الناس عن تأمين ثمن ربطة الخبز، يجولون في الاسواق والمحال والساحات بحثاً عمّن يعيلهم، باتوا يرضون بالقليل وهو حقٌ لهم، وعند الإستحقاقات الإنتخابية يعودون إلى زعمائهم وكانتوناتهم الطائفية.
لا يشبه حال بعلبك الهرمل أخواتها من المناطق اللبنانية، فالأسعار فيها مضاعفة وتزيد عن الأسعار التي يتداول بها بسبب سعر صرف الدولار الذي وصل إلى معدّلات جنونية، وفيما كان يعاني الناس خلال فترات سابقة غياب المواد الغذائية المدعومة وتهريبها وتخزينها من التجار من دون أن تحرك أجهزة الدولة ومصلحة حماية المستهلك ساكناً، هي اليوم تعاني الواقع نفسه مع إختفاء مادتي البنزين والمازوت وإقفال المحطات حتى بات البقاعي يجول المحافظة من الهرمل حتى أبلح للبحث عن بعض ليترات من البنزين يملأ بها خزان وقود سيارته لقضاء حاجته. وفيما تجول الأجهزة الأمنية في عدد من المناطق على محطات الوقود وتجبر أصحابها الذين خزّنوا في أوقات سابقة المحروقات وامتنعوا عن بيعها للمواطنين على فتح أبوابها والبيع لحين إنتهاء المخزون، تغيب تلك الإجراءات عن محطات المحافظة بأكملها. إلى مئة وعشرين الف ليرة وصل سعر صفيحة البنزين في البقاع من دون حسيب أو رقيب ووفق مزاجية بعض أصحاب المحطات الذين يفتحون لأوقات محدّدة، فيما أقفلت العديد من المحطات منذ أسابيع وإمتنعت عن تزويد الناس بالمادة، لتبقى محطتان تبيعان بالسعر الرسمي وتشهدان زحمة سير تمتد لآلاف الأمتار. وعليه، قطع أمس عدد من أهالي مدينة الهرمل الطريق على جسر العاصي بالإطارات المشتعلة إحتجاجاً على تردّي الأوضاع المعيشية وإنقطاع البنزين والمازوت بالكامل من المدينة، مطالبين الأجهزة الأمنية بالكشف على محطات الوقود في المنطقة وكأنها خارج سلطة الدولة.
تردّي الأوضاع المعيشية وفقدان السيولة من ايدي المواطنين وإنعدام القدرة الشرائية يشاهد بأمّ العين في سوق بعلبك التجاري، حيث يخلو من المارة والسيارات، يتجمّع اصحاب المحال التجارية أمام محالهم صباحاً، يتناولون القهوة ويتشاركون الأحاديث والهموم، يشكون الحال الذي وصلوا إليه والخسائر التي يتكبّدونها كل يوم، يعجزون عن تأمين متطلبات عائلاتهم، يقفلون محالهم في المساء ويعودون إلى منازلهم ليعاودوا الكرّة في اليوم التالي من دون أي بشائر حلّ.
"لا دجاج ولا لحمة، حتى البطاطا انحرمنا منها"، بتلك الكلمات تجيب إحدى السيدات في السوق التجاري وهي تجول على محل خضار للشراء، وتضيف بـ"أن الأوضاع التي وصلنا إليها اليوم لم نرها في عزّ الحرب، وما يحدث لنا من إيدنا وخرجنا، نحن من انتخب هؤلاء، وعند الجدّ سيعيد الناس إنتخابهم مرة أخرى، فالوتر الطائفي والمذهبي سيعود عند الإنتخابات"، مضيفةً بأن "أولاد المسؤولين يتنعّمون بالخيرات وأولادي لا يجدون ما يأكلون". بدوره ينعى حيدر، صاحب أحد المحال، الحركة التجارية والإقتصادية في سوق بعلبك، فهي معدومة منذ أشهر، لا بيع ولا شراء، "نتحمّل الخسائر فوق طاقتنا ولا نعلم ماذا ينتظرنا بعد"، مضيفاً بأنّ "إرتفاع سعر صرف الدولار لم يترك لنا زبوناً ولا أموال بين ايدينا، ونحن من الناس ولدينا متطلبات وعندنا عائلات، واليوم كل اللبنانيين أصبحوا متساوين في المدخول والوضع الإقتصادي إلا المسؤولين".