الأرجح أن الرئيس المكلف نجيب ميقاتي وصل في مهلة أسبوع إلى النتيجة التي وصل إليها سلفه الرئيس سعد الحريري بعد أشهر على تكليفه.
ومع أن البعض ترك مساحة ولو قليلة لإمكان أن يوافق عون لميقاتي على ما رفضه للحريري، في ذكرى 4 آب المشؤومة، لتنفيس الاحتقان الموجه ضده مثلما هو موجه إلى سائر الزعامات السياسية، فإن ما يحيط بالذكرى المأسوية آخر هموم الفريق الرئاسي، تماماً كما هو آخر همه التدهور المريع في الوضع المعيشي للبنانيين. العقل الذي يتحكم بالقرار في بعبدا يعتبر عكس بعض من أملوا بأنه قد يتساهل مع ميقاتي نكاية بالحريري، أنه سيخسر على الصعيد الشعبي مسيحياً، وأن مساواة ميقاتي بالحريري بالتشدد في مطالبه ترفع من شعبيته.
ما يهم الفريق الرئاسي من ذكرى 4 آب أنه مناسبة لمخاطبة اللبنانيين من منطلق مواصلة الإنكار ورمي المسؤوليات كما في أسباب الانهيار الاقتصادي المالي على الزعامات الفاسدة مبرئاً فريقه منها، من دون رفة جفن. كما أنه مناسبة لرؤية مؤتمر الغد لجمع المساعدات للبنان، الذي يحضره الرئيس الأميركي جو بايدن، على أنه خطوة جديدة في "فك الحصار" عن الحكم ولبنان، كما اعتبر زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون في 6 آب 2020 على أنها إنهاء لهذا الحصار، وأنه على المنصة نفسها مع رئيس أميركا نداً له، وأنها مناسبة مفيدة لأنها ستدخل إلى البلد زهاء 350 مليون دولار من المساعدات، لعلها تريح الأسواق!!!
ميقاتي لم يكن غريباً عن العراقيل التي واجهت الحريري بل كان مطلعاً على تفاصيلها الدقيقة منه، وعلى محطات الصدّ والتسفيه والاستهزاء، في شكل يمكّنه من استباق المسافة الزمنية التي يستغرقها اختراع حجج التعطيل وتوقع الأفكار والمناورات التي يطرحها عليه الفريق الرئاسي من أجل إحكام الطوق حول الفراغ الحكومي. ولذلك استخدم ملكة الليونة التي يتميز بها والحنكة التي يعتمدها في التفاوض من موقع إيجابي لعله يحصد بعض التجاوب، من دون نتيجة تذكر.
ومع ذلك وعلى الرغم من التنصل الرئاسي من كلام مستشار الرئيس ميشال عون، الوزير السابق بيار رفول بأن ميقاتي يذهب مثلما ذهب الحريري إذا لم يتجاوب مع رئيس الجمهورية في طروحاته التوزيرية، فإن رفول يتولى عادة قول الأشياء كما يسمعها من سيد القصر وليس من النوع الذي يخترع أو يجتهد، كما يفعل غيره ممن هم أكثر قدرة منه على التحكم باللغة العربية ومفرداتها وتورياتها، في الفريق الرئاسي. رفول لا يناور ولا يخطئ ، هو الذي سبق أن قال قبل أشهر إن "محورنا انتصر ويفترض بالأميركيين أن يتحدثوا إلينا". فالرئيس عون يتصرف كما في العام 1989 ويعتقد أنه يقف منفرداً في وجه الزعامات السياسية كلها التي تعارضه، وهو سيحقق ما يريد بأن يأتي بالحكومة التي يريد لتنفذ أجندته في البلد، ولا بد للآخرين من أن يتنازلوا له مثلما تنازلوا وانتخبوه في العام 2016، بعدما صمد على تشبثه بترشيحه، وبإبقاء الفراغ الرئاسي الذي امتد سنتين وأكثر من 5 أشهر.
لم يكن رفول وحده من أعلن كلمة السر. الأخير يقولها علناً. لكن قياديين في "التيار الحر" لم يواربوا حين أبلغوا من يجب أن رئيسه جبران باسيل تبلغ من قيادة "حزب الله" بأن تسميته لميقاتي لا تعني أنه التدخل لتسهيل التأليف، أو ممارسة ضغوط على الحليف العوني. وهو كلام قيل قبل التكليف وبعده والتعليمة عند باسيل كانت: لا حكومة.
لا تفسير لقول عون لميقاتي إنه غير قادر على استقباله الثلثاء لاستكمال مناقشته في إصرار الأول على المداورة للحصول على حقيبة الداخلية، لأنه منشغل بالتحضير لمؤتمر 4 آب في باريس، سوى أن همّ حليفه القوي "حزب الله" في مكان آخر غير ولادة الحكومة. عقل الحزب في بحر عُمان، وجنوب سوريا والجنوب اللبناني، والمواجهة الغربية الإيرانية واحتمالاتها العسكرية، وتداعياتها الممكنة، وعلى لبنان أن ينتظر.