لم يمنعه عمره من المشاركة في ذكرى 4 آب، كان أكثر إصراراً من غيره، يريد معرفة الحقيقة، فقط الحقيقة التي دمرت إقتصاد لبنان، وأوصلته الى الحضيض، الحقيقة وحدها تشفي غيظه كما كل اهالي الشهداء والجرحى. لا يريد أن يفوّت عليه فرصة رفع الصوت في وجه الفاسدين، يصرّ على انّهم جزء من بلاءات الوطن، فالبلد يمشي بإمرتهم، وليس العكس. كان يرغب في أن يكون على مسافة قصيرة من المرفأ ليرى بأم العين ما أحدثه التفجير التاريخي. "لم يكتب التاريخ تفجيراً مماثلاً" يقول، "ولم يعش حرباً مزدوجة تشبه الحرب اليوم". بإعتقاده، "مصائب لبنان بدأت منذ ما قبل التفجير، وأتى الأخير ليزلزل الاقتصاد والصحة والامن الغذائي والدوائي معاً".
خرج أبو يوسف في رحلة البحث عن الحقيقة مع العشرات من ثوار النبطية لأنه يسعى لكشفها، لمعرفة من فجّر المرفأ، أهو الاهمال أم الفساد والمال أم كل العناصر مجتمعة؟ يرى أن 4 آب تاريخ يجب صوغه بكل التفاصيل ليحكي للأجيال القادمة كيف دمّر زعماء لبنان سويسرا الشرق وحوّلوه جهنم الشرق. وأكثر ما يستفزه أن الكل يتقاذف التهم والمسؤوليات، وحين توجه اليهم الدعوة ليدلوا بإفاداتهم يتحصّنون خلف حصانة يجب انتزاعها بالقوة.
يجزم أبو يوسف بأن عدم رفع الحصانات يعني قتل لبنان وتفجيره مرتين، فرفع الحصانات هو احد العناصر الرئيسية الذي يطالب به كل الثوار، لانه بداية الحقيقة، ويسأل "لماذا الكل يخشى دعسة القاضي بيطار على طرف الحصانات، طالما الكل بريء؟ ممّن يخشون؟ هل يخشون من فسادهم واهمالهم وتورطهم بسرقة المال العام، أو من دعاء أهالي الشهداء عليهم"؟
كانت الساعة تشير الى الواحدة ظهراً حين بدأت طلائع المشاركين من ثوار النبطية تصل الى ساحة الثورة للانطلاق نحو بيروت، وتحديداً المرفأ، حيث سيرسم الجميع هناك خريطة طريق جديدة للوطن، يطالبون بثلاث نقاط تشكّل ميثاق لبنان الجديد وتتمحور حول رفع الحصانات، تحرير القضاء من تسلّط السياسة، سوق المجرمين الى قوس العدالة. ثلاثي يراه علي بدير أحد المشاركين في تحرك 4 آب أولى خطوات كشف حقيقة ما جرى قبل 4 آب وبعده. برأيه، "كل الطبقة السياسية متواطئة ضدّ الشعب، وفسادها اوصلنا الى الحضيض، ولا يمكن رفع الطغيان الحاصل الا برفع الحصانات واقصاء كل الطبقة السياسية عن السلطة، وما عدا ذلك فلبنان يتجه أكثر نحو جهنم".
أكثر من 4 فانات و"بولمن" انطلقت من النبطية، وفق دانيال، "النداء الاساسي هو الحقيقة ولن نقبل بأقل منها". برأيه، "قد يكون اللبناني إعتاد على الجريمة المنظّمة التي تشعل حرباً اهلية كما حصل مع معروف سعد وبوسطة عين الرمانة وغيرها، لكنه لم يعتد يوماً على تحقيق شفّاف يكشف الحقيقة كما هي، دوماً هناك ادوات سياسية تخرّب طبخة الحقيقة، وتضع بديلاً عنها طبخة الانانية السياسية". ومن وجهة نظره، فـ"إن 4 آب يجب أن يكون بداية رفع الظلم عن لبنان لأنه كفى، فالكل يئنّ من حجم الدمار الذي خلّفه انفجار نيترات المرفأ، فنحن نعيش من دون كهرباء ومياه، حتى الانترنت مقطوع، كما الدواء وحليب الاطفال والاشتراك وغيرها، بإختصار تحولت حياتنا كابوساً حقيقياً لن ينتهي ما لم تتم ازالة كل الطبقة الحاكمة وكشف ملابسات ما حصل في مرفأ بيروت". النبطية اذاً شاركت في احياء 4 آب وفق خريطة مطالب وضعتها وحملها المشاركون معهم الى مرفأ الموت حيث دفن حلم كل لبناني علّهم يتمكّنون من ايقاظ الضمير السياسي والقانوني، ويجلون الغبار عن حقيقة الموت ويعود الوضع الى طبيعته.