عيسى مخلوف

الوجه الحيّ

4 دقائق للقراءة

تنشر صحيفة "لوموند" الفرنسيّة هذا الصيف سلسلة مقالات عن عدد من العائلات التي تميّزت بعطاءاتها في مجالات مختلفة. ولقد أفردت هذا الأسبوع مقالات لعائلة شديد التي لها حضور بارز في فرنسا، فتوقّفت عند الشاعرة والروائيّة أندريه شديد، وكذلك عند ابنها لويس شديد وأولاده الأربعة الذين يعملون في مجالات الموسيقى والغناء والإخراج. وكان لأندريه شديد الدور الأهمّ في نموّ شجرة هذه العائلة وفي كثافة أغصانها.

أندريه شديد متحدّرة من أسرة لبنانية هاجرت إلى مصر في العام 1860. وُلدت في القاهرة العام 1920 وأقامت سنوات قليلة في بيروت، وفي العام 1946 انتقلت مع زوجها لْوي سليم شديد للعيش في باريس حيث توفّيت العام 2011. كتبت نصوصها الأولى باللغة الإنكليزية قبل أن تتبنّى اللغة الفرنسيّة لغةً للكتابة والعيش. في باريس، شجّعها الشاعر الفرنسي رونيه شار على نشر قصائدها الأولى، ثمّ راح اسمها يترسّخ شيئاً فشيئاً في المشهد الشعريّ الفرنسي (نالت جائزة "غونكور للشعر" العام 2002). إنها شاعرة في المقام الأوّل، وروائيّة وكاتبة مسرحيّة ولها كتب للأطفال، وكتبت نصوص أغنيات لابنها المغنّي الفرنسي الشهير لْوي شديد وحفيدها ماتيو شديد المعروف باسم "إم".

تميّزت أندريه شديد بنزعتها الإنسانيّة ومواقفها المناهضة للحروب والعنف والظلم، كما تميّزت بلغتها الفرنسيّة الأنيقة وطريقتها الخاصّة في التعامل معها. وهذا ما يطالعنا في نتاجها الأدبي بأكمله، من روايتها "اليوم السادس" التي تتناول فيها وباء الكوليرا الذي انتشر في مصر العام 1948 (حوّلها المخرج المصري يوسف شاهين فيلماً سينمائياً مثّلت فيه المغنّية داليدا)، إلى رواية بعنوان "الرسالة" التي تحكي عن عاشقين تفصل بينهما الحرب، في بلاد لا تأتي الكاتبة على ذكر اسمها، لكن ما ترويه فيها يحيلنا على الحرب الأهليّة في لبنان، هذه الحرب التي تطالعنا أيضاً في رواية أخرى بعنوان "البيت الذي بلا جذور". تأخذنا هذه الرواية إلى بيروت، مطلع الحرب، لنشهد على تفكّك المدينة وانفراط عقدها، تماماً كما الحال الآن، بعد أكثر من ثلاثة عقود على انتهائها. لكن، هل انتهت الحرب فعلاً؟ في هذه الرواية التي نُشرت عن دار فلاماريون الباريسية في العام 1985، تبدو بعض الكلمات كأنها كُتبت الآن عن مدينة توقّف فيها الزمن، مدينة معذّبة إذا مرّ بالقرب منها أحدٌ في ليلها المطفأ الأنوار فإنه يسمع أنينها. ولم يكن في وسع الكاتبة إلاّ أن تُبقي نافذة الأمل مفتوحة، وتتساءل في نهاية الرواية: "هل سنكون غداً على موعد مع نهاية العالم ومحيطات الجنون، أم مع السلام؟

تنتمي أندريه شديد إلى هذه الفئة من الكتّاب العرب الذين جاؤوا من الضفّة الأخرى من المتوسّط، وحملوا معهم مشاهد ومناخات وموضوعات وجدت طريقها إلى اللغة الفرنسيّة وتركت فيها بصماتها الواضحة. ولقد كشفت صحيفة "لوموند" في مقالها الصادر أوّل من أمس عن سرّ بقي طويلاً طيّ الكتمان. وكانت الباحثة والأستاذة الجامعيّة اللبنانية كارمن بستاني أوّل من أشار إليه في كتابها المخصّص للشاعرة ("أندريه شديد/ كتابة الحبّ") ومفاده أنّ قلماً آخر أنهى الرواية الأخيرة لأندريه شديد ("ميتات جان دُو دْيُو الأربع"، دار فلاماريون) التي لم تعد قادرة على الكتابة بعد أن أصيبت بمرض الألزهايمر. وهذا ما أكّده أفراد عائلتها وخصوصاً حفيدها ماتيو الذي صرّح قائلاً إنّ جدّه هو الذي أنهى الرواية التي تناولت أيضاً الحرب والعنف والتمزُّق، كما في عدد من رواياتها السابقة التي أشرنا إليها، لكن كان ثمّة تباين واضح بين أسلوب جدّه وأسلوب جدّته. لذلك، بقي هذا الكتاب مشوباً بالغموض وعلامة فارقة في تجربة الكاتبة مع الأدب والمرض.

التقيتُ أندريه شديد في باريس مرّات قليلة قبل رحيلها، وفي كلّ لقاء، كنتُ أشعر بثراء حضورها، هي التي كرّست حياتها للإبداع وراهنت عليه بصفته هويّة الإنسان الحقيقيّة والعميقة، والردّ الأمثل على نوازع العنف، والجسر الذي يجمع بين البشر مهما اختلفت جنسيّاتهم ودياناتهم وثقافاتهم. من كلماتها المشتعلة بذلك الصوت الذي لا ينطفئ: "كانت الأرض تنحرف/ تنحرف/ لا أدري نحو أيّ شاطئ/ نحو أيّ عالم/ أكثر قسوة/ أكثر رقّة!/ وفي عُمق أعماقنا/ كانت أحواض الصمت/ تَبثُّ في عروقنا/ الجوابَ الوحيد لكلّ شيء". أمّا الكلمة الأخيرة فنتركها لها أيضاً: "ذات مساء، سأذهب بعيداً عن الأراضي الدافئة، وعلى وجهي الحيّ القناعُ ولون الفجر".