مايا الخوري

المخرج جان كلود بولس: "ورشة" أثبت استمراريتي بعد 4 آب

5 دقائق للقراءة
قدّم المخرج جان كلود بولس فيلمه الوثائقي القصير "ورشة"، الذي صوّر تجربته الشخصية في انفجار 4 آب، ومعاناته النفسية والجسديّة بعد إصابته. "ورشة" أحد الأفلام الخمسة التي نُفّذت من ضمن مشروع "بيروت بعد عام" ويُعرض مجّانًا عبر موقع "أفلامنا". عن الفيلم الوثائقي، وذكرى 4 آب، تحدث جان كلود بولس.

كيف تتذكّر أحداث 4 آب؟

يعيش 4 آب معي في كل لحظة، في أثناء تنقّلي في الشارع، في أثناء مشاهدتي آثار الدمار غير المرمم بعد في بيروت، في أغراض متناثرة في كل مكان، من دون أن نعرف ما إذا كان أصحابها أحياء أو ضحايا أو مهاجرين. أتذكر 4 آب كل يوم حين أدخل منزلي المواجه للمرفأ، فأفكّر في لحظة الإنفجار.

يطرح من ينجو من حادث مماثـــــــــل تساؤلات وجودية، فأي أفكار بــــادرت إلى ذهنك؟

طرحت أسئلة وجودية عن سبب بقائي على قيد الحياة فيما مات كثيرون. حين تابعت برامج تلفزيونية في ذكرى 4 آب، صُوّرت مع ضحايا الإنفجار، تماهيت مع تجارب بعضهم، وتساءلت ماذا لو كنت أنا مكان البعض الآخر. كُسرت جمجمتي، أُصيبت عيني، تعرّضت لإلتهاب في الرأس، فجعلتني هذه الإصابات كلها قلقًا تجاه مستقبلي وصحّتي، خصوصاً أننا تنشّقنا هواء النيترات ما قد يسبب السرطان أيضاً. عانيت كثيراً منذ بداية عام 2020 معنوياً ومادياً، وبالكاد صمدت طيلة العام، حتّى جاءت الضربة القاضية. ذكّرني تاريخ 4 آب بأنه مرّ عام على الإنفجار وعلى معاناتي كلها، وعلى مراوحتنا مكاننا في البلد.

إلامَ هدف فيلمك القصير "ورشة"؟

يشكّل فيلم "ورشة" فشة خلق شخصية، وتنفيذه بمثابة إثبات ذاتي أنني لا أزال قادراً على العمل والإستمرار، رغم تضرر يدي وعيني. كما أوّجه من خلاله رسالة أن ثمة من تضرر نفسياً أو جسدياً في الإنفجار إنما لم يسلّط الضوء عليه في الإعلام. فمن لم يصب جسدياً، شهد لحظات الموت بعينيه. يركز الإعلام على الضحايا وعائلاتهم فقط وعلى الطابع السياسي، إنما هناك جانب نفسي قوي جداً، لأن ثمة من فقد بلحظة، ما بناه وأسّسه طيلة حياته. لذا أؤكد من خلال فيلمي أن الإنفجار لا يقتصر على الثانية التي دمّرت كل شيء، بل ما جاء من بعد تلك اللحظة، سواء لناحية نظرة الناس إلى المصاب، أو لناحية اللجوء إلى الجمعيات لترميم المنزل في ظلّ غياب الدولة.




ركّزت في عدستك على الكلبة "زيغي" ما السبب؟

أنزّه كلبتي "زيغي" في مار ميخايل يومياً عند الساعة السادسة مساء، فنسير باتجاه المرفأ قبل العودة إلى المنزل. أجّلت يوم 4 آب النزهة اليومية، بسبب إنهماكي في توليف مشروعي، فظلّت تنبح باستمرار من دون توّقف، ظننت حينها أنها تصرّ على نزهتها اليومية. لكنني إكتشفت أنّ نباحها باتجاه المرفأ قبل ربع ساعة من وقوع الإنفجار هو تحذير من الخطر. حين أصبت بكيت كثيراً على "زيغي" لأنها إختفت، ولم أستطع إيجادها بسبب فقدان نظّارتي ونقلي فاقداً الوعي إلى المستشفى، لم أكن أفهم ما حدث معي وسبب إرتفاع عدد الضحايا والإصابات.

بعد خروجي من المستشفى، لعبت "زيغي" دوراً كبيراً في تشجيعي على العودة إلى الشارع والخروج من المنزل. كما ساعدتني في التمارين الفيزيائية الخاصة بعلاج يدي وفي التغلّب على رهاب الأصوات المرتفعة. شكّلت سنداً كبيراً لي للشفاء من تأثير الإنفجار، لذلك أحببت لفت النظر إلى أهميتها بحياتي.

ألم تكن قاسيًا في وصف اللبنانيين بالتماسيح في الفيلم؟

لم أشر إلى المتضررين بالإنفجار ولا إلى الشعب الموجوع، بل أتباع الزعماء الذين ينتظرون لساعات أمام محطات البنزين، ويتأقلمون مع الذل بدلاً من رفض الواقع. نحن نستخدم وصف "تمسحنا" في يومياتنا لذا لست نادمًا لأن اللبنانيين قبلوا الذل من دون القيام بأي رد فعل تغييري.

أشرت إلى عدم تفاؤلك بالتغيير؟

لم أعد متفائلاً بالتغيير بعد وقوع الإنفجار. قبل 4 آب، وقفت في الخطوط الأمامية للثورة، عرّضت حياتي للخطر، وأصبت في التظاهرات. لكن بعد هذا التاريخ، تساءلت عمّا إذا كان هناك ما يستأهل كل التضحيات طالما أن السياسيين ملتصقون بكراسيهم لا ينظرون إلى هموم الشعب. فقدت أملي بلبنان، إلا أنني لا أزال مؤمنًا بقدرة الشباب على التغيير. نعيش ما بين الحياة والموت، يموت اللبنانيون من التسممّ، من عدم توافر الإستشفاء والطبابة. للأسف لا تزال هناك أكثرية تدافع عن الأحزاب السياسية المتورّطة بملفات الفساد.

لما إقتصرت أفلام 4 آب برأيك على وثائقيات قصيرة؟

نُفّذت أفلام كثيرة عن ذكرى 4 آب، تم إختيار 5 منها للعرض عبر موقع "أفلامنا". نعاني من غياب الدعم في بلد لا يهتمّ بالثقافة ويستورد برامج ومسلسلات تركية رغم أن هناك طاقات ومواهب كثيرة غير مستثمرة بعد، علماً أن الفنّ لا يقتصر على الترفيه فحسب، بل يمكن أن يكون تجارة مربحة أيضاً. إلى ذلك، لسنا جاهزين للتحدث عمّا حصل في 4 آب، لأننا لم نستوعب الحدث بعد. عملت على تنفيذ فيلم أطول يعرض تفاصيل أكثر متعلقة بمن ساهم في الترميم وبمن قدّم التبرعات للمتضررين. لكن للأسف، حين نتلقى الدعم من الخارج، نتعرّض للتخوين ونتّهم بأننا مموّلون من السفارات، علماً أن لا وزارة ثقافة لدينا لدعم الأعمال الثقافية والفنيــة في البلد.




هل تتوقع تحقيق العدالة في هذه القضية؟

برأيي، محاربة القاضي بيطار دليل إلى تخوّف من تحقيق العدالة، ما يمنحنا الأمل. لكننا نعيش للأسف في بلد لا تتحقق فيه العدالة في القضايا الصغيرة فكيف حال القضايا الكبيرة.

سألت في نهاية الفيلم عن سبب بقائك في لبنان، لمَ لم تهاجر؟

الهجرة صعبة بالنسبة إليّ، لأن الوضع في الخارج ليس أفضل حالاً بسبب أزمة كورونا. أرفض فكرة اللجوء إلى بلد آخر، ينظرون إلينا فيه كهاربين من الوطن. إجتهدت لتحقيق أهدافي وطموحي في وطني، لذا لا أريد التخلي عن كل شيء والتأسيس من جديد. كما أن مغادرة عائلتي وأصدقائي صعبة، لأنني أفكّر بتفاصيل صغيرة في يومياتنا غير متوافرة في الخارج. صحيح أن أدنى متطلبات الحياة نجدها هناك كالكهرباء والماء إنما لن نكون مرتاحين نفسياً وسيبقى البال مشغولاً بلبنان.