يعيش المواطنون في سباقٍ مع مجريات حياتهم اليومية، الكل يسعى إلى تأمين متطلباته وفق مبدأ "الضربة لمن سبق"، يستيقظون منذ ساعات الصباح الباكر لحجز دور لهم في الطوابير التي افتعلها المحتكرون، يتهافتون على ربطة الخبز وليترات البنزين في مشهد لم يره اللبنانيون في عز الحرب.
لم تبق أزمة إلّا ومرّت على اللبنانيين في هذا العهد، عايشوا الحرمان في أدقّ تفاصيله والذلّ على أبواب الصيدليـات والمحطــات والأفران من أوســع أبوابـه، يمنّون النفس بالصبر من دون أن يرفّ جفنٌ لولاة الأمر بتحسّس عذاباتهم وحلحلة عقد الحكومة، والإفراج عنها لتنفرج معها أزمات الناس ويتنفّسون الصعداء ولو قليلاً. أوصلوهم إلى قعر جهنم يكتوون بلظى نيرانها، وهم على أرائكهم يفتشون عن تحقيق المكاسب وتسجيل النقاط باسم الطائفة والمذهب.
أكثر من أربعة أيام ومحافظة بعلبك الهرمل ومحيطها خارج التغذية الكهربائية نتيجة توقف المعمل بحجة نفاد المحروقات، واصحاب المولدات يعتمدون تقنيناً قاسياً ايضاً للحفاظ على ما تبقّى لديهم من مازوت.
وحده المواطن يدفع الثمن في عز شهر آب، العديد من الناس أفرغ محتويات ثلاجاته بعدما جمع ثمنها وخبّأ ما استطاع لأيامٍ أكثر سواداً. توقفت محطة بعلبك التي تتغذّى بالتيار الكهربائي من معمل الزهراني عن إمداد المحافظة ومنطقة كسارة بالكهرباء بحجة التعدّيات على الشبكة، فيما بقيت المناطق والمحافظات التي تتغذّى من المعمل على وتيرة التقنين ذاتها التي تعتمدها مؤسسة كهرباء لبنان.
واحتجاجاً على الإنقطاع، نفّذ عدد من المحتجين إعتصاماً أمام محطة الكهرباء في حي الشراونة في بعلبك وأشعلوا الإطارات أمام البوابة الرئيسية، مطالبين بعودة التيار إلى المدينة والجوار وإعتماد المساواة في التغذية، لا سيما أن مناطق تعاني تقنيناً قاسياً واخرى تنعم بالكهرباء أكثر من عشرين ساعة. وقال أحد المعتصمين لـ"نداء الوطن": "ان سياسة الكيل بمكيالين من موظفي وعمال التحويل في المحطة ستخرج الناس عن طورها، فمعظم الأحياء لا تصلها الكهرباء لأكثر من أربع ساعات في اليوم مقابل تغذية شبه كاملة لأحياء أخرى"، مشدداً على أن "التعدّيات على الشبكة ليست كما تشيع المؤسسة ومعظم الأهالي، وفي ظل الأزمة التي نعيشها لا يزالون يدفعون ما يترتّب عليهم للشركة".
من جهته، إعتبر عباس ش. أن "الناس تتكبّد المعاناة والمشقّات لتأمين ثمن الدجاج والمواد الغذائية وتضعها في الثلاجة لتطعم عائلاتها وأولادها، بعدما غابت اللحوم عن الموائد وارتفعت أسعارها والناس تعوّض بشيء آخر، حتى تأتي أزمة الكهرباء وتجبرهم على إستعمال كل ما هو موجود في الثلاجة في يوم واحد، في حين أن الظروف استدعت تقسيمها على مدار الشهر وبكميات أقل من المعتاد"، مضيفاً بأن "العديد من المواطنين استغنى عن إشتراك المولد الذي ارتفعت فاتورته ووصلت إلى 500 ألف للـ 5 أمبير، كذلك لا قدرة لكثيرين على شراء مولدات خاصة وتشغيلها، فالمازوت مقطوع والبنزين بالقطارة، فهل بمقدورنا تأمينه للمولدات المنزلية"؟
صرخة المواطنين بفقدان الكهرباء يقابلها غضبٌ عارم نتيجة فقدان الأدوية التي تستمر أزمتها من دون أي حلول، لا أدوية في الصيدليات في بعلبك الهرمل أو بدائل عنها، معظم الصيدليات تقفل ابوابها باكراً وتفتح أمام الزبائن لبيع ما هو موجود، والمواطن هو الضحية دائماً يدفع الثمن من صحته وصحة عائلته وأهله. لم تبق صيدلية إلا وجال عليها أحمد م. لشراء الدواء لوالده الثمانيني من دون أن يوفق، سائلاً عبر"نداء الوطن" عن وعود وزارة الصحة في معالجة قضية الأدوية، وهل صحة المواطن تنتظر حلولاً لم تترجم على الأرض، وماذا أفعل أنا لتأمين الدواء لوالدي وهو يحتاجه مرتين في اليوم"؟ مؤكداً انه وصل به الحال إلى طلبه من سوريا علّه يستطيع تأمينه.