جورج بوعبدو

الليدي مادونا: بالمحبّة وحدها نبني وطناً سليماً

6 دقائق للقراءة
تشتد الأزمة يوماً بعد يوم وتنهال المصائب على اللبنانيين من كل حدبٍ وصوب. لم يسلم الفنانون من الانهيار الحاصل. قلبُ البعض منهم يعتصر ألماً على وطنٍ مصلوب لا تبدو درب جلجلته الى نهاية وشيكة. بحثاً عن لبنان الجميل، التقت "نداء الوطن" ملكة الاستعراض، الليدي مادونا، فدار نقاش مشوّق حول وضع الفنّ والفنانين والأحوال التي تتخبط فيها البلاد.

مادونا التي عاصرت بيروت في عزّها كيف تعيش انهيار لبنان وعاصمته؟

إنها مأساة حقيقية أوصلنا إليها السياسيون للأسف. لبنان بلدٌ تعددي. لا يمكن لأحدٍ فيه أن يلغي أحداً. ولا يمكن لأحدٍ تجاوز الآخرين كذلك. انّه الواقع اللبناني الذي لم يستوعبه "الطارئون" في السياسة. على كلّ من يتعاطى السياسة أن يعي هذه المعادلة البسيطة فيقدّم بعض التنازلات الشخصية لصالح المصلحة العامة. لا يجب بالتالي أن يتشبث أيّ سياسيّ بمواقفه كما هي الحال في الوقت الراهن. أنا حزينةٌ فعلاً على وضع وطني وأعيش حالة قريبة من الإحباط كأترابي من اللبنانيين.

لماذا انت غائبة عن الشاشات؟

لست غائبة لسببٍ شخصي طبعاً بل هي الحالة العامة السياسية والاجتماعية التي تملأ جميع الشاشات وتطغى على المساحة فيها. فحين يتفكّك البلد يتراجع الفنّ وتلك معادلة منطقية وهذا هو واقعنا حالياً للأسف.

كيف تواجهين بنفسك الأزمات؟

انقطاع الكهرباء؛ عدم توفّر الادوية؛ شحّ البنزين؟لا أختلف عن سائر اللبنانيين بشيء. مثلهم تماماً أعيش في حالةٍ من الخوف على البلد الذي عرفناه أيام البحبوحة والعزّ وتمتعنا بجماله وتعايشنا مع طيبة أهله على إختلاف مشاربهم. ولا أدري لماذا أوصلونا الى هذا المستوى من العوز والفقر. امضي وقتي حالياً بالسهر على صحة والدتي للحفاظ عليها الى جانبي لأنها "بركة" العائلة. وأنا بطبعي إنسانة مؤمنة ترعرعت في بيتٍ محافظ وفي عائلة لبنانية تشبه سائر العائلات. أحاول مواجهة الأزمات بصبرٍ قدر المستطاع متأملةً في فرجٍ قريب لا بدّ أن يأتي يوماً.




هل تعتقدين ان الشعب مسؤول عما آلت إليه الأمور في بلدنا؟

يتحمّل الشعب جزءاً بسيطاً من المسؤولية. المشكلة هي أننا نعيش في تكاذبٍ غابت فيه الحقيقة وهذا التكاذب أثر على الناس فوقف بعضهم في وجه بعض. كل منهم يتبع زعيماً سياسياً أو حزباً أو تياراً أو طائفة أو مذهباً معيناً ويدافع عنه دفاعاً أعمى. كلّنا أبناء إلهٍ واحد، فلماذا اذاً كلّ هذا البغض وهذه الكراهية بين أبناء الله الواحد؟ فلنتعاطَ مع بعض كبشر وليس بجفاءٍ وقسوة. فعندما تكون خيّراً يكون كلّ الناس خيّرين معك، وإن كنت شريراً كان الناس أشراراً معك. أنا مؤمنة بأنّ المحبة هي الأساس لبناء مجتمعٍ فاضل. فلنتحلَّ بها إذاً، فبالمحبة وحدها نبني وطناً سليماً معافىً لا يعرف الوهن.

كيف عشت فاجعة انفجار الرابع من آب؟

ثالث أكبر إنفجار نووي في العالم وقع على مسافة لا تتعدّى الستة كيلومترات من بيتي. كانت نتيجته مزلزِلة واسفر عن سقوط أكثر من مئتي ضحية، لا ناقة لهم ولا جمل في كلّ ما يجري من سياسات في لبنان والمنطقة. كيف لي أن أتجاهل هذا المصاب الأليم وأنسى انعكاساته الكبيرة إنسانياً واجتماعياً. ما زلت حتى الآن أعيش هول اللحظات التي وقع فيها هذا الزلزال المدمّر. ليس لي اليوم إلا أن أطلب الرحمة للضحايا والصبر لأهلهم. أعانهم الله في مصابهم وساعدهم على تحمّل آلامهم: أهل ألكسندرا والياس وشهداء فوج الأطفاء وغيرهم من الأحباء الذين افتقدناهم وافتقدهم أهلهم وأحباؤهم... إنه حادث أليم فعلاً... فاجعةٌ لن تغيب عن بالنا لسنواتٍ طويلة وقد حُفِرت في ذاكرتنا الى الابد.

هل تؤيدين الثورة ضد الحكام؟

عندما يجور الحكام ويوصلون شعبهم إلى الهاوية أنا أو أيّ شخص آخر سيؤيد الثورة لغاياتٍ شريفة. ليس الهدف طبعاً على شاكلة: "قم لأجلس مكانك" بل لتأمين نظامٍ سليم يأخذ البلاد إلى الامان المرتجى ويمضي به نحو التقدم والازدهار، فالبلد يستحق ذلك ونحن كشعب عانى كثيراً نستحق الوصول الى برّ الأمان بعد كلّ هذه الآلام والمآسي.

كيف عشت تجربة كورونا؟

حاولت قدر المستطاع تجنب التخالط الاجتماعي واتباع التدابير التي كانت تعلن عنها وزارة الصحة. تمسّكت بالكمامة فباتت تلازمني كخيالي ليس حفاظاً على سلامتي وحدي، بل كذلك حرصاً على سلامة من يحيط بي من عائلتي وأصدقائي الكثر فأنا لست أنانية بطبعي بل أفكر بغيري أيضاً ولا أريد أن يصيبهم أيّ مكروه بسببي.




لماذا برأيك خفّ وهج "فنّ الاستعراض" الذي تربعت على عرشه كثيراً، وما الذي يمنعك من العودة الى الساحة؟

للأسف لا يعيش البلد حالةً من الرفاهية والراحة تسمح له بتنظيم المهرجانات في ربوعه كما كانت الحال سابقاً. وأنا، كغيري من الفنانين، أتفرج على حالنا الأليمة مكتوفة اليدين، من دون أن يتسنّى لي القيام بما ينقذ وطني، اذ ليس بيدي حلّ يعيد الأمور الى نصابها ولا سلطة لي على مسار الأمور.

كيف تقيمين الوضع الفني في لبنان حالياً؟

أرى أنه متجه نحو مزيد من الهبوط للأسف خصوصاً أن النخب تهاجر لبنان لتعمـل خارجـــه في الفنّ أو غيره.


هل تعتقدين ان شركات الانتاج مجحفة بحق الموهوبين؟


شركات الانتاج تبحث عن مجالاتٍ للربح. والوطن العربي اليوم عموماً ولبنان خصوصاً يمرّ بمرحلةٍ من عدم الاستقرار. لا يمكن لوم شركات الانتاج وحدها على عدم مساعدتها للموهوبين فالظروف صعبة.


من هو فنانك المفضل محلياً وعربياً؟

هناك الكثير من الفنانين اللامعين ولا أستطيع أن أسمي أحداً خوفاً من أن يغيب عن بالي ذكر بعض الاسماء. من موقع خبرتي أجزم أن ثمة تدهوراً في عالم الأغنية في لبنان والعالم بأسره. كانت الأغنية الجيّدة سابقاً قائمة على "الميلوديا" وكان لبنان مميزاً بها، مقارنةً بالبلدان الأخرى، مع الأخوين رحباني والأستاذ الياس رحباني والأستاذ زكي ناصيف وشيخ الملحنين فيلمون وهبة وغيرهم. اعذروني ان نسيتُ أحداً منهم. أما أغنيات اليوم فتفتقر الى الميلوديا وأصبحت أشبه بالـ"عدّيات". نأمل أن تتحسن أوضاع لبنان والدول العربية ليعود الفن إلى النهوض مجدداً على يد الفنانين اللبنانيين خصوصاً.

ماذا تتابعين على الشاشات؟


في أوقات فراغي أتابع بعض المسلسلات اللبنانية. أعتبر أن الدراما اللبنانية شهدت تطوراً كبيراً جداً وأصبح لدينا مجموعة كبيرة من الممثلين الكبار المبدعين ومن كتبة السيناريو الجيدين يستطيعون أن يأسروا المشاهد.

ماذا عن "السوشيل ميديا" هل تتابعينها، وما رأيك بها؟

ما نشهده على "السوشيل ميديا" من مشاحناتٍ ومناكفات وشتائم هو أمر معيب جداً. "السوشيل ميديا" ممتاز إذا إستخدم لتطوّر الانسان اجتماعياً وسياسياً. اما أن يصبح منبراً للشتائم والكذب ونقل أخبار السوء فأمرٌ مرفوض كلياً. وفي ظروفنا الحالية للسوشيل ميديا في لبنان مساوئ أكثر ممّا فيه من محاسن.

أيّ رسالة تريدين توجيهها الى اللبنانيين عبر منبر "نداء الوطن"؟

أقول لهم بالفم الملآن: "ليس لكم من منقذٍ إلا أنفسكم. كفى تقاتلاً وتقاذفاً للتهم وتوزيع الأكاذيب لأنها تزيد الحقد والكراهية بين أبناء الوطن الواحد ونحن بحاجة إلى المحبة لنعيد بناء وطننا كما يجب.