لاحظت المؤلفة والناشرة تانيا حاجي توماس مهنّا بعد إنتهاء الحرب في لبنان أنها لا تعرف مدينتها جيّداً، لأنها كسائر اللبنانيين تركت العاصمة مرغمة حينما كانت صغيرة للهرب من القصف والمدافع. قررت في العام 2009 التجوّل في شوارع العاصمة للتعرّف عليها وكتابة المقالات الصحفية. عندها وُلدت فكرة كتاب "Beirouth by day"، الذي يتضمّن تفاصيل عن بيروت.
تسرد مهنّا كيف نفّذت مشروعها قائلةً: "تجوّلت في أحياء العاصمة كلها، مستندةً إلى خارطة بلدية بيروت. سرت مع المصوّر غادي سمات طيلة شهرين في 58 حياً بيروتياً، فاكتشفت أن ثمة شوارع تشتهر شعبياً بأسماء مختلفة عمّا هو مسجّل في الدوائر الرسمية مثل "التباريس" و"فردان". كما أجريت أبحاثاً عن تفاصيل معالمها وأماكنها التراثية، وتحدثت إلى سكّان الأحياء الشعبية، لتدوين تقاليدهم وعاداتهم وطريقة عيشهم وما تتميّز به الشوارع".
صدر الكتاب في العام 2010 من ضمن فعاليات "بيروت عاصمة للكتاب" حاصداً صدى إيجابياً جداً خصوصاً أنه تزامن مع الحملة ضد هدم الأبنية التراثية والأثرية في بيروت، لذلك شكّلت صور الكتاب المميّزة دلالة إلى جمالية بيوت العاصمة الأثرية والتراثية. نُفّذ هذا الكتاب بكل حبّ وعشق للعاصمة على حدّ وصف الكاتبة، وتحوّل بفضل تسليطه الضوء على تفاصيل المدينة إلى مجلّد كلاسيكي إستمرّ مبيعه لسنوات بعد صدوره. ورداً عن سؤال حول دور الكتاب بعد وقوع إنفجار 4 آب، تُجيب: "قررت بعد الإنفجار، مساندة أهالي بيروت، فأعلنت عن مبادرتي التبرّع بأرباح الكتاب لصالح مستشفى الكرنتينا المجّانية التي دُمّرت كلياً. تفاجأت بتجاوب الناس الكبير وبيعي 200 نسخة".

وعن أهمية المبادرات الفردية في ظروف مماثلة، تقول: "يتميّز الشعب اللبناني بشجاعته ونخوته، وبالمبادرات الفردية التي بدأت منذ إندلاع الحرب حيث تضامن في الظروف الصعبة مع بعضه البعض، مقدّماً المساعدة لمن يحتاج. إنما يُسلّط الضوء حالياً على هذه المبادرات بسبب تقاعس الدولة. برأيي سرعان ما ستحذو الدول الأخرى حذو اللبنانيين بالمبادرات الفردية، بسبب أهمية إتحاد البشر مع بعضهم البعض بحبّ وأخلاق". أمّا عن تفاعلها مع الدمار الذي حلّ بأجمل معالم العاصمة التي وثّقت في كتابها فتوضح أنّ "الانفجار دمّر منزلي في الجميزة، فشعرت بداية برغبة في الهروب ومغادرة بيروت لإنقاذ عائلتي. بعدها حزنت جداً، ولئلا يكون حزني معدياً لمحيطي، توجّهت إلى منزلي بهدف إصلاحه من دون التجوّل في شوارع مار مخايل".
وعن تقييمها لموقف الكتّاب والمثقفين والإعلام منذ مرحلة "17 تشرين"، تقول: "شهدنا منذ إنطلاق الثورة نوعاً من الإنتاجية في الكتابة والنشر عن الأحداث والمرحلة. إنما وقعنا بعد الإنفجار، جميعنا في ما يشبه الصدمة، التي أجبرتنا على الصمت. لذا أرى حاجتنا إلى مرور بعض الوقت قبل التعبير عن ذلك الحدث. يرتكز دور المثقفين والكتاب والإعلام على إعادة إحياء حب لبنان، وألا ننسى أبداً ومهما حصل، ميزة هذا الوطن. أعدّ في هذا الإطار كتاباً جديداً يحكي عن لبنان ومميزاته". كما تدعو مهنّا المثقفين إلى عدم نسيان دور لبنان في العالم، قائلةً: "صحيح أننا نعيش مرحلة غموض وحزن مختبرين الذل، إنما يجب ألا ننسى تسليط الضوء على دورنا العالمي في المجالات كافة"، مشددةً على أن "تغييب الذاكرة الجماعية أمر مقصود، والدليل إلى ذلك عدم الإتفاق على كتابة تاريخ جامع، يكرّم الأدباء والشعراء والفنانين اللبنانيين الكبار". وتضيف: "للأسف، لا تتضمن البرامج التربوية أي إضاءة على تميّز وطننا، الذي من شأنه تحفيز الأجيال على حبّ هذا الوطن وأرضه التي تستقطب بآثارها وتراثها العالم أجمـع. يجب أن نحبّ بلدنا ونفتخر بلبنانيتنا ليتحقق التغيير".
وجّهت مهنا رسائل من لبنان إلى سائر العالم، فهل تتجاوب الدول برأيها مع رسائلنا؟ تجيب: "حين سافرت بفضل دار نشري السابقة للمشاركة في معارض عالميّة للكتب، إكتسبت أصدقاء كثيرين في الخارج، فوجّهت إليهم رسائل تتضمّن تفاصيل عن واقع وطننا. للأسف، بدلاً من أن نطلب الحرية، ونُخبر عن عيشنا كرهائن في أرضنا، أصبحنا نسأل عن الدواء والطعام. برأيي لو توحّدنا على محبة الوطن ورغبتنا بإنقاذه، لتفاعلوا أكثر مع قضايانا. لكننا نوجّه رسائل حزينة تعبّر عن نقمتنا تجاه الوضع الذي نعيشه ما يزيد التوّتر والإلتباس".
ورداً عمّا إذا كانت ترغب في الهجرة، تقول: "هاجر جدّي وجدّتي من اليونان إلى لبنان عام 1928، هرباً من تركيا. حين إشتدّت الحرب اللبنانية طلبنا منهما العودة إلى اليونان. لكننا بقينا هنا بسبب رفض جدّي عيش تجربة الهجرة مرتين. كان يردّد أن لبنان وطنه، فورثت منه هذا الحبّ. هاجر أولادي ورغم إشتياقي الكبير لهم، لن أغادر بسبب تعلّقي بوطني. ما زلت أتذكّر وصيّة جدّي: "ليس لدينا جذور، فاصنعي جذورك بنفسك"، لهذا السبب أشعر بأن جذوري ممتدّة في كل أراضي لبنان التي أعشق كل شبر منها".

نسألها: ألا تفكرين بكتاب جديد يوثّق شوارع العاصمة بعد الإنفجار؟ تجيب: "لا أرغب في الكتابة عن هذه المرحلة التي لم أستوعبها بعد. أجري حالياً أبحاثاً للكتابة عن "عظمة لبنان". برأيي نمرّ بمرحلة ضبابية، إنما هذا لا ينفي عظمة وطننا بتاريخه وتفاصيله وأرضه وجماله ومميّزاته. يجب أن نحبّ أنفسنا أولاً، إنما كيف يكون ذلك طالما لم يحبنا حكامنا الذين قتلونا، نهبونا وذلّونا. يسعى هؤلاء إلى جعلنا نسأم من بلدنا، لذا علينا الردّ بخطة مضادّة ترتكز على حب الوطن".
هل تكفي إعادة الإعمار وتجميل الحجر والشوارع، لتخطّي الحقيقة المرّة؟ تقول: "من الضروري إعادة بناء الأمل الغائب حالياً عند اللبنانيين. يجب أن نكون واقعيين والإعتراف بأن لا أمل بالمستقبل حالياً. أحيي كثيراً من رمّم وعمّر ما تهدّم إنما يجب إعادة إعمار الأمل ووضع خطوط للبنان المستقبل. برأيي يكفي خبر إيجابي واحد لينهض اللبنانيون مجدداً. بعدما وقعنا في الهوّة بسبب الإنفجار، إرتفعنا إلى مستوى الشجاعة بفضل المبادرة والتضامن. وهذا هو اللبناني الحقيقي الذي يقف إلى جانب الآخرين، وهو لا يشبه من يُغرق الوطن ويحطّمه ويسرق وينهب ثرواته وشعبه. شعب لبنان المقيم والمغترب متّحد ومتضامن لذا لن تذهب مبادراته هدراً. أدعوه إلى عدم إنتظار الخارج لتحقيق التحرير، بل المبادرة بنفسه من دون أي مساعدة خارجية. كما أدعوه إلى تذكّر عظمة لبنان الذي يُدهش العالم، وإلى الإعتراف بوطننا لإعادة بناء الهوية اللبنانية التي يحاولون تحطيمها منذ 40 عاماً".